655 · ص655
وهذا لا يقتضي انحصار فضله في هذه النعم فحسب فإنه تعالى أعطاه الزبور، كما قال تعالى في مقام الامتنان والتفضل {وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا}، وذكر هنا فضله على صفة النكرة وهي تدل على نوعٍ من الفضل وشيءٍ منه كما دل عليه لفظ «منا». ١
قال أبو السعود مؤكداً هذه الدلالة: ({فَضْلًا} على سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أي: نوعاً من الفضل، وهو ما ذُكر بعد، فإنه معجزة خاصة به صلى الله عليه وسلم، أو على سائر الناس، فيندرج فيه النبوة والكتاب والملك والصوت الحسن؛ فتنكيره للتفخيم، و {مِنَّا} لتأكيد فخامته الذاتية بفخامته الإضافية، وتقديمه على المفعول الصريح؛ للاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر؛ فإن ما حقه التقديم إذا أُخر تبقى النفس مترقبة له، فإذا وردها يتمكن عندها فضل تمكن). ٢
وقد نصَّ على هذه الدلالة من سياق الآية غير أبي السعود: الرازي، وحقي، والألوسي، وغيرهم. ٣
وعلى هذا ففي الآية إشارة إلى مزيد فضلٍ لداود عليه السلام، ويشهد له آيات كثيرة، كما في قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [الإسراء: ٥٥]، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ} [النمل: ١٥]، وقوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: ٣٠] وقوله تعالى: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ} [ص: ٢٦] وقوله تعالى: {وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} [البقرة: ٢٥١]، إلى غير ذلك من الآيات ٤ والله تعالى أجلُّ وعلم.
١ ينظر: روح البيان لحقي (٧/ ٢٦٥)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٦٧٦)
٢ إرشاد العقل السليم (٧/ ١٢٤) بتصرف يسير.
٣ ينظر: التفسير الكبير (٢٥/ ١٩٥)،، روح البيان (٧/ ٢٦٥)، وروح المعاني (١١/ ٢٨٧)
٤ ينظر: أضواء البيان (٦/ ٢٦٦).