163 · ص165
وَمِنَ السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا
هُودٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
- قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ}.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ «أَنِّي» بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَلَى تَقْدِيرِ: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ بِأَنِّي لَكُمْ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {بَادِيَ الرَّأْيِ}.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ بِالْهَمْزِ عَلَى تَقْدِيرٍ فِي ابْتِدَاءِ الرَّأْيِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «بَادِيَ» بِغَيْرِ هَمْزٍ جَعَلُوا فَاعِلًا مِنْ بَدَا يَبْدُو: إذا ظهر، كقوله تعالى:
{وبدا لهم} {مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ}.
فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ كَيْفَ تَقِفُ عَلَى «بَادِي» بِقِرَاءَةِ أَبِي عَمْرٍو؟ فَقُلْ بِغَيْرِ هَمْزٍ، لِأَنَّكَ إِذَا وَقَفْتَ سَكَّنْتَ الْهَمْزَةَ وَقَبْلَهَا كَسْرَةٌ صَارَتْ يَاءً، لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا مِثْلَ إِيتِ فُلَانًا، إِيبَقْ يَا غُلَامُ، وَالْأَصْلُ: إِإْتِ وَإِإْبَقْ فَجُعِلَتِ الْهَمْزَةُ يَاءً، فَأَجَازَ الْكِسَائِيُّ أَنْ تَقِفَ بَادِئَ بِالْهَمْزِ، وَكَذَلِكَ «مِنْ شَاطِئِ} الْوَادِي» أَجَازَ مِنْ «شَاطئِ» بِالْهَمْزِ.
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ «الرَّاي» بِتَرْكِ الْهَمْزِ تَخْفِيفًا مِثْلَ «الْكَاسِ» وَ «الْبَاسِ» وَ «الرَّاسِ».
وَالْبَاقُونَ يَهْمِزُونَ عَلَى الْأَصْلِ، لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ لِ «رَأَيْتُ» فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ رَأْيًا وَرَأَيْتُ فِي عَيْنِي رُؤْيَةً، وَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ رُؤْيَا حَسَنَةً، وَالْأَمْرُ مِنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ «رِ» يَا هَذَا، بِرَاءٍ وَاحِدَةٍ، غَيْرَ أَنَّكَ تَقِفُ، رِهْ بِالْهَاءِ، وَلُغَةُ تَمِيمٍ: إِرْأَ يَا هَذَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ:
{إِنْ كنتم للرءيا تَعْبُرُونَ}.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ}.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ: «فَعُمِّيَتْ» مُشَدَّدًا.
وَقَرَأَ الباقون «فعميت» ومعناها وَاحِدٌ، لِأَنَّ الْفَرَّاءَ، قَالَ: الْعَرَبُ تَقُولُ: عُمِّيَ عَلَيَّ الْأَمْرُ، وَعَمِيَ عَلَيَّ بِمَعْنًى.
وَحُجَّةُ مَنْ شدد: أن أبيا وابن مسعود قرءا: «فعماها عليكم».
164 · ص166
وَحُجَّةُ مَنْ خَفَّفَ: اجْتِمَاعُ الْقُرَّاءِ عَلَى تَخْفِيفِ الَّتِي فِي الْقَصَصِ: «فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ» قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَرَأَهَا بِالتَّشْدِيدِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَدْ شَدَّدَهَا عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ «فَعُمِّيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ».
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ «أَنِلْزِمُكُمُوهَا» بِاخْتِلَاسِ الْحَرَكَةِ تَخْفِيفًا وَاسْتِثْقَالًا لِاجْتِمَاعِ الضَّمَّاتِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «أَنُلْزِمُكُمُوهَا» بِضَمِّ الْمِيمِ عَلَى الْأَصْلِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ}.
رَوَى حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ «مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ» مُنَوَّنًا وَكَذَلِكَ فِي «الْمُؤْمِنُونَ».
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مُضَافًا.
وَتَقْدِيرُ قِرَاءَةِ حَفْصٍ أَنِ احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلِّ جِنْسٍ وَكُلِّ نَوْعٍ زَوْجَيْنِ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، لِأَنَّ الْأُنْثَى زَوْجُ الذَّكَرِ وَالذَّكَرُ زَوْجُ الْأُنْثَى، يُقَالُ: عِنْدِي زَوْجٌ حَمَامٌ ذَكَرٌ وَأُنْثَى تَأْكِيدٌ لَهُمَا، كَمَا تَقُولُ: عِنْدِي رَجُلَانِ اثْنَانِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُلْتَبِسٍ كَمَا قَالَ: {لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ}.
وَالِاخْتِيَارُ: الْإِضَافَةُ، لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ عَلَيْهَا.
- قَوْلُهُ تَعَالَى: {بِسْمِ اللَّهِ مَجْراهَا}.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ، «مَجْرِيهَا» بِالْإِمَالَةِ وَبِفَتْحِ الْمِيمِ.
وَالْبَاقُونَ «مُجْرَاهَا» بِضَمِّ الْمِيمِ وَهُمَا مَصْدَرَانِ، فَمَنْ فَتَحَ الْمِيمَ جَعَلَهُ مَصْدَرًا لَجَرِى مَجْرًى، وَمَنْ ضَمَّ جَعَلَهُ مَصْدَرًا لِأَجْرَيْتُهُ، وَالْمَصْدَرُ مِنْ أَفْعَلَ مَفْعَلٌ وَإِفْعَالٌ لَا يَنْكَسِرُ كَقَوْلِهِ: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ}. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ مُمْسَانَا وَمُصْبَحُنَا ... بِالْخَيْرِ صَبَّحَنَا رَبِّي وَمَسَّانَا
لِأَنَّكَ تَقُولُ: أَمْسَى وَأَصْبَحَ، وَهَذَا الْبَيْتُ يُنْشَدُ مَفْتُوحًا وَمَضْمُومًا، وَقَالَ آخَرُ:
وَعُمِرْتُ حَرْسًا قَبْلَ مَجْرَى دَاحِسٍ ... لَوْ كَانَ لِلنَّفْسِ اللَّجُوجِ خُلُودُ
يُنْشِدُ: قَبْلَ مجرى وبمجرى، وَعُمِرْتُ، أَيْ: بَقِيتُ وَطَالَ عُمُرِي، وَالْحَرْسُ:
الدَّهْرُ.
وَأَبُو عَمْرٍو يُمِيلُ: «مُجْرَيهَا» ونَافِعٌ بَيْنَ بَيْنَ، وَكَذَلِكَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنُ كثير يفتح.