← المكتبة ▭ 1 page
التيسير في القراءات السبع ت الشغدلي
أبو عمرو الداني التجويد والقراءات 444 هـ
A− A+
21 · ص18
(المنزّل) يخرج كل كلام استأثر الله به جل وعز؛ إذ ليس كُلُّ كلام الله تعالى مُنزّل، بل الذي نزل منه قليل. يقول تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} (١) ويقول أيضا جلّ ذِكْرُه: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (٢). ويخرج بقولنا: (على محمد - صلى الله عليه وسلم -) كل ما نزل على غيره من الأنبياء، كالتوراة والإنجيل، وغيرها مما لا يعلمُه إلا هو. (المتعبّد بتلاوته، لفظُه ومعناه من الله): يخرج كل ما ليس بقرآن من قراءات الآحاد، والأحاديث القدسية، والسنة النبوية المطهّرة أيضا. فهذه هي الخصائص العظمى التي امتاز بها القرآن العظيم على غيره، وإن كان امتاز بكثير سواها (٣). والقراءات في اللغة: جمع قراءة، وهي مصدر قرأ قراءة وقرآنا، بمعنى الضمّ والجمع (٤)؛ وقارأه مقارأة وقِراءً، أي: دارسه، وتقرّأ، أي: تفقّه (٥). وفي الاصطلاح: قال ابن الجزري - رحمه الله -: "هي علمٌ بكيفيّة أداء
(١) سورة الكهف: ١٠٩. (٢) سورة لقمان: ٢٧. (٣) انظر: مناهل العرفان (١/ ١٩)، والنبأ العظيم لمحمد عبد الله دراز (ص ١٠)، ومباحث في علوم القرآن لمنّاع القطان (ص ٢١). (٤) لسان العرب (١/ ١٢٨، مادة: قرأ). (٥) القاموس المحيط (ص ٦٢)
22 · ص19
كلمات القرآن واختلافها، معزوا لناقله" (١). وعرّفها الزركشي بأنها اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتابة الحروف أو كيفيّتها من تخفيف وتثقيل ونحوها (٢). وقال شيخنا الدكتور/ محمد بن سيدي محمد الأمين الشنقيطي: "وتعريف ابن الجزري منصبٌّ على محلّ الاختلاف في القراءات لا اتّفاقها" (٣). قلت: وما أحسنَ تعريف شيخ مشايخنا العلامة عبد الفتاح القاضي - رحمه الله - للقراءات حيث قال: "هو علمٌ يُعرف به كيفية النطق بالكلمات القرآنية، وطُرق أدائها اتفاقًا واختلافًا، مع عزو كلّ وجهٍ لناقله" (٤). وهو شبيهٌ بتعريف أبي الخير، لكنه زاد عليه بذكر الاتفاق. وقال القرطبي - رحمه الله -: "وهذه القراءات المشهورة هي اختيار أولئك الأئمة القرّاء؛ وذلك أنّ كلّ واحدٍ منهم اختار فيما روى وعلم وجهه من القراءات ما هو الأحسن عنده والأولى؛ فالتزمَه طريقة ورواه، وأقرأ به، واشتهر عنه وعُرف به، ونُسبَ إليه؛ فقيل: حرف نافع، وحرف ابن كثير، ولم يمنع واحدٌ منهم اختيار الآخر ولا أنكرَه، بل سوّغه وجوّزه، وكلُّ واحد من هؤلاء السبعة رُوي عنه اختياران أو أكثر، وكلٌّ صحيح" (٥).
(١) منجد المقرئين (ص ٣)، والإتحاف (١/ ٦٧). (٢) البرهان في علوم القرآن للزركشي (١/ ٤٦٥). (٣) من محاضراته -حفظه الله- في مناهج القُرّاء للدراسات العليا في كلية القرآن الكريم، في الجامعة الإسلامية، عام ١٤١٨ هـ. (٤) البدور الزاهرة (ص ٥). (٥) الجامع لأحكام القرآن (١/ ٣٥).
→ prev 21–22 / 583 next ←