27 · ص24
- وقد ورد في القراءات والأحرف السبعة الحديث المتفق على صحته: "إن هذا القرآن نزلَ على سبعة أحرف"، وقد أرّق العلماءَ هذا الحديثُ، وأشكلَ على كثير منهم؛ لأن المقصود به لم يفهم، فالناس قد اتّفقوا على أن المقصود بالحديث بألفاظه المختلفة الزائدة على لب الباب وهو أن إنزال القرآن على سبعة أحرف إنما هو للتخفيف.
وإنما جاء التخفيف في كيفيات الأداء والنطق؛ وذكر أبو عبيد القاسم بن سلام أن الحديث متواتر، كما أثر عن عثمان بن عفّان - رضي الله عنه - حين قام في الناس وهم في المسجد وطلب ممن سمع بهذا الحديث أن يقف، فقام جمعٌ غفيرٌ من الصحابة سمع الحديثَ لكن لم يروِه. رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في "مسنده الكبير" (١).
وقال الحافظ السيوطي - رحمه الله -: "اختُلف في معنى حديث "أنزل القرآن على سبعة أحرف" على نحو من أربعين قولا: أحدها: أنه من المشكل الذي لا يُدرى معناه؛ لأن الحرف يصدق على حرف الهجاء وعلى الكلمة وعلى المعنى وعلى الجهة. قاله ابن سعدان" النحوي (٢). ثم سرد الأقوال.
قلت: والمتأمّلُ لهذه الأقوال يجد أنّ الناس في هذا الحديث على مذهبين كبيرين:
الأول: ما ذكره الحافظ بأن الحديث مشكل لا يُدرى معناه (٣)؛ وهذا الذي مال إليه العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي صاحب
(١) انظر: النشر (١/ ٢١)، والإتقان (١/ ١٠٠).
(٢) الإتقان (١/ ١٠٠).
(٣) انظر: البرهان (١/ ٣٠٥)، والإتقان (١/ ١٠٠).
28 · ص25
"الأضواء" (١) - رحمه الله - واختاره السيوطي وغيرُه، حتى قال ابن الجزري: "ولا زلت أستشكل هذا الحديث وأفكّر فيه وأُمعن النظر من نيَّفٍ وثلاثين سنة ... " (٢)، وهو الذي عليه شيخنا الأستاذ الدكتور عبد العزيز بن محمد بن عثمان - رحمة الله علينا وعليه -؛ قال: "والمختار عندي أنه من المتشابه الذي لا يدرى تأويله" (٣).
الثاني: أنه ليس بمشكل، ويدخل في هذا أقوال كثيرة من أحسنها عندي: ما ذهب إليه شيخ المفسّرين وإمام المؤرخين الإمام محمد بن جرير الطبري، وتبعه ابن عطيّة (٤): أن الأحرف لُغات العرب، واختاره منّاعُ القطّان في مباحثه في علوم القرآن (٥)، وهذا الرأي رأي قوي له وجاهته، وهو القريب عندي. والله أعلم.
قال الإمام الطبري في "الجامع": "والدلالة على صحة ما قُلناه من أنّ معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نزل القرآن على سبعة أحرف" إنما هو أنه نزل بسبع لغات تقدم الروايات الثابتة عن عمر بن الخطّاب، وعبد الله بن مسعود، وأبيّ بن كعب، وسائر مَن قدّمنا الرواية عنهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في أوّل الباب أنهم تماروا في القرآن؛ فخالف بعضهم بعضا في التلاوة دون ما في ذلك من المعاني، وأنهم احتكموا فيه للنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فاستقرأ كُلَّ رجل منهم، ثم صوّب جميعهم في قراءتهم على اختلافها حتى ارتاب بعضهم لتصويبه إيّاهم؛ فقال - صلى الله عليه وسلم - للذي ارتاب منهم عند تصويبه جميعهم: "إن الله أمرني أن
(١) كما أخبرني بذلك شيخنا الدكتور عبد الله الأمين ابن الشيخ، وكذا قال الشيخ الدكتور مختار ابنه.
(٢) النشر (١/ ٢٦).
(٣) من محاضراته -حفظه الله- في علوم القرآن للدراسات العليا ١٤١٨ هـ.
(٤) المحرّر الوجيز (١/ ٤٦).
(٥) المباحث (ص ١٦٢).