759 · ص382 · ج2
خلقه قالت «خلقه القرآن» (١) ومن أمثلة ذكرها المصنف، وفيه أكثر من أربعة قول ابن رشيق أصح وأقوى ما سمعناه في الندى من الخبر المأثور، منذ قديم أحاديث يرويها السيول عن الحياء، يعني المطلوب (٢) عن البحر عن كف الأمير تميم، قال: فإنه ناسب فيه بين الصحة والقوة، والسماع والخبر المأثور، والأحاديث والرواية، ثم بين السيل والحياء والبحر وكف تميم مع ما في البيت الثاني من صحة الترتيب في العنعنة؛ إذ جعل الرواية لصاغر عن كابر، كما يقع في سند الأحاديث؛ فإن السيول أصلها المطر، والمطر أصلها البحر، على ما يقال؛ ولهذا جعل كف الممدح أصلا للبحر مبالغة.
هذا كلامه، ومما في البيت الثاني وغفل عنه، ومن تبعه أنه جمع السيول جمع كثرة لتصير الرواية في كمال القوة بكثرة الرواة، ويبلغ حد الشهرة، بل التواتر فيفيد اليقين، وفي هذا والعنعنة إثبات ما ادعاه من كون تلك الأحاديث أصح.
ولا يخفى أن صحة العنعنة، وتكثير الراوي ودعوى الأصحية من الأمور المتناسبة فليستا لطيفتين خارجتين عن التناسب، ذكرنا لبيان لطائف البيت كما يتوهم.
[من المحسنات المعنوية]
[ومنه مراعاة النظير]
(ومنها) أي: من مراعاة النظير (ما يسميه بعضهم تشابه الأطراف وهو أن يختم الكلام بما يناسب ابتداءه في المعنى) والتناسب قد يكون ظاهرا (نحو لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (٣) أي:
العالم، فإن اللطف يناسب ما لا يدرك بالبصر (٤)، والخبرة تناسب ما يدرك شيئا؛ لأن المدرك للشيء يكون خبيرا به.
كذا ذكره الشارح، وفيه نظر؛ لأن الخبير هو المدرك للشيء لا ما يناسبه، فالأولى يقال: الخبير يناسب كونه مدركا للأبصار؛ لأن الخبير هو المدرك، فيتحقق المناسبة باعتبار العموم والخصوص، وقد يكون خفيا.
(١) صحيح: أخرجه مسلم وأحمد عن عائشة.
(٢) كذا في الأصل ولعلها تحريف عن (المطر).
(٣) الأنعام: ١٠٣.
(٤) لأن اللطف في الأصل دقة الشيء، ولكن المراد باللطف هنا ما لا تدركه الأبصار مطلقا لاستحالة الأول على الله تعالى، ويجوز أن يكون من اللطف بمعنى الرأفة فيكون من إيهام التناسب الآتي لا من التناسب.
760 · ص383 · ج1
التقوي، فلم يفت المصنف تمثيل التخصيص في النفي كما ظنه الشارح، ولما كان إفادة التقديم التقوي محتاجا إلى توضيح قال: (فإنه أشد لنفي الكذب من لا تكذب) ولا خفاء أن صيغة التفضيل ليس على حقيقته؛ إذ لا يريد المثالان على نفي الكذب، وتوجيهه لا يخفى على الأفقه من الحمار، وللنظر الدقيق أن يقول:
نفي الكذب في الاستقبال، مع أنه مبطن الحال يفيد مبالغة فيه، ولما كان نفي الأشد به من لا تكذب أتم في الوهم من لا تكذب أنت، جعله مشبها به تنبيها على هذا التفاوت.
وقال (وكذا من لا تكذب أنت)، ولم يشتغل بهذا التوضيح في قسم الإثبات، مع أنهما سيان فيه لئلا يتباعد النفي عن الإثبات، إلا أنه يتجه أن كون التقديم للتقوية ليس أخفى من كون أنت لا تكذب أشد لنفي الكذب من التركيبين الآخرين حتى يتم توضيحه به، بل قد بين كونه أشد لنفي الكذب بكونه لتأكيد المحكم حيث قال: (لأن تأكيد المحكوم عليه) لا الحكم، وقولنا: أنت لا تكذب على الاحتمال لاحتمال أن يكون أنت الثاني مبتدأ، لا تأكيدا للمحكوم عليه، بل لحكم في الخبر، وفيه مخالفة لما ذكره الكشاف في تفسير قوله تعالى حكاية عن يوسف- عليه السّلام-: وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (١) من أن تكريرهم للدلالة على أنهم خصوصا كافرون بالآخرة وأن غيرهم قوم مؤمنون بها، وهم الذين على ملة إبراهيم- عليه السّلام- ولتوكيد كفرهم بالجزاء هذا، وفي تخصيص بيان الفرق بأنت لا تكذب للتقوي تعريض للمفتاح، بأنه لا اشتباه بين لا تكذب أنت، وبين أنت تكذب للتخصيص، فبيانه الفرق بينهما لغو ينبغي أن يفرق بين لا تكذب أنت وأنت لا تكذب للتقوي؛ لأنه محل الاشتباه، ولا يدفعه ما ذكره الشارح المحقق أنه خص بيان الفرق بالتخصيص؛ لأنه أورده في بحث التخصيص.
[وإن بنى الفعل على منكر]
(وإن بني الفعل على منكر) أو ما في حكمه من الضمير الراجع إلى النكرة، فإذا قلت: ضربت رجلا وهو جاءني، كان قولك: وهو جاءني التخصيص جنس الرجل أو الرجل الواحد لا يقال: الأولى (أفاد) التقديم (تخصيص الجنس)،
(١) يوسف: ٣٧.