189 · ص435
باليد، لا يخلو من حرج في الجملة ويؤيد هذا ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحدٌ من قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة، فليصلِّ) ١.
فهذا نص صحيح صريح في أن من أدركته الصلاة في محل ليس فيه إلا الجبال أو الرمال أن ذلك الصعيد الطيب الذي هو الحجارة، أو الرمل طهور له ومسجد، وبه تعلم أن ما ذكره الزمخشري من تعين كون {مِنْ} للتبعيض غير صحيح ٢.
لا يصح التيمم بالتراب النجس.
قال تعالى: {مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا (٦)} (المائدة: ٦).
١٨٩ - قال السعدي - رحمه الله -: (ومن الأحكام: أنه لا يصح التيمم بالتراب النجس ٣، لأنه لا يكون طيبا بل خبيثاً) ا. هـ ٤
١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التيمم، ح (٣٣٥)، ومسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب المساجد ومواضع الصلاة، ح (٥٢١).
٢ انظر: أضواء البيان (٢/ ٣٦).
٣ واختلف العلماء فيه من أجل تقييده بالطيب، فقالت طائفة: " الطيب "، هو الطاهر، فيجوز التيمم بوجه الأرض كله، تراباً كان أو رملاً، أو حجارة، أو معدناً، أو سبخة، إذا كان ذلك طاهراً. وهذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، والثوري، وغيرهم، وقالت طائفة: الطيب: الحلال، فلا يجوز التيمم بتراب مغصوب، ومع وجود الاختلاف في معنى الطيب هنا إلا أن المفهوم متفق عليه وهو كونه ليس بنجس. وقال الشافعي، وأبو يوسف: الصعيد الطيب التراب المنبت. انظر: المحرر الوجيز (٤٤١)، وأضواء البيان (٢/ ٣٩).
٤ انظر: تفسير السعدي (٢٢٣).
190 · ص436
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن التراب النجس لا يصح التيمم به، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله سبحانه وتعالى وصف في الآية أن التراب لابد أن يكون طيباً، ومفهوم المخالفة - مفهوم الصفة- يدل على أنه لا يصح بالنجس.
قال الجصاص- موافقاً السعدي على هذا الاستنباط-: (بطلان التيمم بالتراب النجس لقوله تعالى: {طَيِّبًا} والنجس ليس بطيب)، وممن قال بذلك أيضاً: الرازي. ١
عدم تقييد اليد بالذراع يدل على أن المراد بمسح اليدين هنا إلى الكوعين.
قال تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ (٦)} (المائدة: ٦).
١٩٠ - قال السعدي - رحمه الله -: (ومن الأحكام: أن اليدين تُمسحان إلى الكوعين فقط ٢، لأن اليدين عند الإطلاق كذلك، فلو كان يشترط إيصال المسح إلى الذراعين لقيده الله بذلك، كما قيده في
١ انظر: أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٤٩٤)، والتفسير الكبير (١١/ ١٣٧).
٢ اختلف العلماء في قدر الممسوح على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه إلى الكوعين حيث يقطع السارق، وبهذا قال سعيد بن المسيّب، وعطاء ابن أبي رباح، وعكرمة، والأوزاعي، ومكحول، ومالك، وأحمد، وإِسحاق، وداود، والثاني: أنه إِلى المرفقين، وبهذا قال ابن عمر، وابنه سالم، والحسن، وأبو حنيفة، والشافعي، وعن الشعبي كالقولين، والثالث: أنه يجب المسح من رؤوس الأنامل إِلى الآباط، وهذا قول الزهري. انظر: زاد المسير (٢٨٧)، والنكت والعيون (١/ ٤٩٢).