275 · ص572
وقد قال بعض المفسرين أن استنباط يوسف لعام الإغاثة هو من باب أن انتهاء الجدب بالخصب، أو بأن السنة الإِلهية على أن يوسع الله على عباده بعدما ضيق عليهم، قال ابن عاشور: (فهو بشارة وإدخال المسرة والأمل بعد الكلام المؤيس، وهو من لازم انتهاء مدة الشدة، ومن سنن الله تعالى في حصول اليسر بعد العسر) ١، وممن أشار إلى ذلك أيضاً: محيي الدين شيخ زاده ٢.
وما ذهب إليه السعدي استنباط قوي من الرؤيا، إذ هو مؤيد بمفهوم العدد، ولا يمنع أنه فهم ذلك كذلك من حصول اليسر بعد العسر، وأن زمن الشدة لا بد أن يكون بعده فرج.
وأما كون ذلك وحي فلا حاجة إلى ذلك إذ الدلائل تدل عليه من غير حاجة إلى الوحي كما ذكره السعدي. والله أعلم.
دفع التهمة عن النفس أمر لا يلام عليه الإنسان.
قال تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠)} (يوسف: ٥٠).
٢٧٧ - قال السعدي - رحمه الله -: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة يوسف-: أنه لا يلام الإنسان على السعي في دفع التهمة عن نفسه، وطلب البراءة لها، بل يحمد على ذلك، كما امتنع يوسف عن
١ انظر: التحرير والتنوير (١٢/ ٢٨٧).
٢ انظر: حاشية زاده على البيضاوي (٥/ ٤٤).
276 · ص574
لهذا الحديث: (وفيه استحباب التحرز من التعرض لسوء ظن الناس في الإنسان، وطلب السلامة والاعتذار بالأعذار الصحيحة، وأنه متى فعل ما قد ينكر ظاهره مما هو حق، وقد يخفى، أن يبين حاله ليدفع ظن السوء) ١.
لا بأس أن يخبر الإنسان عن صفات الكمال في نفسه.
قال تعالى: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)} (يوسف: ٥٥).
٢٧٨ - قال السعدي - رحمه الله -: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة يوسف-: أنه لا بأس أن يخبر الإنسان عما في نفسه من صفات الكمال من علم أو عمل، إذا كان في ذلك مصلحة، ولم يقصد به العبد الرياء، وسلم من الكذب، لقول يوسف: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)} وكذلك لا تذم الولاية، إذا كان المتولي فيها يقوم بما يقدر عليه من حقوق الله وحقوق عباده، وأنه لا بأس بطلبها، إذا كان أعظم كفاءة من غيره، وإنما الذي يذم، إذا لم يكن فيه كفاية، أو كان موجودا غيره مثله، أو أعلى منه، أو لم يرد بها إقامة أمر الله، فبهذه الأمور، ينهى عن طلبها، والتعرض لها). ا. هـ ٢
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن إخبار الإنسان عن نفسه بصفات
١ انظر: شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٣١).
٢ انظر: تفسير السعدي (٤١٠)، وفوائد مستنبطة من قصة يوسف للسعدي (١٤٥)، وتيسير اللطيف المنان للسعدي (٢٨٢).