← المكتبة ▭ 1 page
استنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي من القرآن الكريم عرض ودراسة
سيف بن منصر الحارثي التفسير
A− A+
309 · ص628
والقرطبي. ١ وهذا الاستنباط فيه أن المتعلم ينبغي أن يكون متواضعاً للتعلم ممن هو دونه حتى يحصل ما يريده من علم، فإذا تكبر الإنسان عن التعلم لأجل أن من يتعلم منه دونه في الفضل؛ فإن ذلك سيكون سبباً في جهله، وعند الموازنة بين ذلك نجد أن التواضع للمفضول لأخذ العلم عنه، أهون من بقاء الإنسان جاهلاً. تعلم الفاضل العلم الذي لم يمهر فيه، ممن مهر فيه. قال تعالى: {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)} (الكهف: ٦٦). ٣١٢ - قال السعدي - رحمه الله -: (ومنها-أي فوائد قصة موسى مع الخضر-: تعلم العالم الفاضل للعلم الذي لم يتمهر فيه، ممن مهر فيه، وإن كان دونه في العلم بدرجات كثيرة، فإن موسى عليه السلام من أولي العزم من المرسلين، الذين منحهم الله وأعطاهم من العلم ما لم يعط سواهم، ولكن في هذا العلم الخاص كان عند الخضر، ما ليس عنده، فلهذا حرص على التعلم منه، فعلى هذا، لا ينبغي للفقيه المحدث، إذا كان قاصراً في علم النحو، أو الصرف، أو نحوه من العلوم، أن لا يتعلمه ممن مهر فيه، وإن لم يكن محدثاً ولا فقيهاً). ا. هـ ٢ الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية تعلم الفاضل العلم الذي لم يمهر فيه
١ انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ١٩٩)، والجامع لأحكام القرآن (١١/ ١٨). ٢ انظر: تفسير السعدي (٤٨٤)، وتيسير اللطيف المنان للسعدي (٢٥٦).
310 · ص629
ممن مهر فيه، ووجه استنباط ذلك من الآية أن موسى كان نبياً عالماً، ولكن العلم الذي كان عند الخضر من العلوم التي لم يكن موسى عالماً بها، فذهب إلى الخضر الذي كان عالماً بهذه العلوم ليتعلمها منه. قال الشوكاني: (وقد يأخذ الفاضل عن المفضول إذا اختص أحدهما بعلم لا يعلمه الآخر، فقد كان علم موسى علم الأحكام الشرعية والقضاء بظاهرها، وكان علم الخضر علم بعض الغيب ومعرفة البواطن) ١. وهذا فيه إشارة إلى أهمية التكامل في العلم والتعليم؛ إذ لا يمكن للشخص مهما كانت قدراته أن يكون عالماً بكل شيء، فحينها يحتاج إلى أن يتعلم بعض العلوم من غيره، وقد يكون هذا الغير دونه في المرتبة والفضل، والتعلم من المفضول أولى من الجهل. جواز ركوب البحر. قال تعالى: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١)} (الكهف: ٧١). ٣١٣ - قال السعدي - رحمه الله -: (ومنها-أي فوائد قصة موسى مع الخضر-: جواز ركوب البحر ٢، في غير الحالة التي
١ انظر: فتح القدير (٣/ ٣٧٠). ٢ روي عن عمر ابن الخطاب وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما المنع من ركوبه. والقرآن والسنة يردان هذا القول، ولو كان ركوبه يكره أو لا يجوز لنهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم الذين قالوا له: إنا نركب البحر، وقد تؤول ما روي عن العمرين في ذلك بأن ذلك محمول على الاحتياط وترك التغرير بالمهج في طلب الدنيا والاستكثار منها، وأما في أداء الفرائض فلا. ومما يدل على جواز ركوبه من جهة المعنى أن الله تعالى ضرب البحر وسط الأرض وجعل الخلق في العدوتين، وقسم المنافع بين الجهتين فلا يوصل إلى جلبها إلا بشق البحر لها، فسهل الله سبيله بالفلك، قاله ابن العربي. ولا خلاف بين أهل العلم إن البحر إذا أرتج لم يجز ركوبه لأحد بوجه من الوجوه في حين ارتجاجه ولا في الزمن الذي الأغلب فيه عدم السلامة، وإنما يجوز عندهم ركوبه في زمن تكون السلامة فيه الأغلب، فإن الذين يركبونه حال السلامة وينجون لا حاصر لهم، والذين يهلكون فيه محصورون. انظر: الجامع لأحكام القرآن (٢/ ١٩١ - ١٩٢)
→ prev 309–310 / 896 next ←