37 · ص187
النتيجة:
وما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو الصحيح، فالآية لا تدل على أن الذكر لا يقتل بالأنثى فالقصاص يكون بين الرجال والنساء، قال الطوفي: (الأنثى بالأنثى مفهومه لا يقتل ذكر بأنثى لكنه متروك؛ لضعفه ولزوم المفسدة العامة منه، وللإجماع فيقتل الذكر بالأنثى ولا شيء لورثته) ١، وإنما خُصَّت الأنثى بالذكر مع أنها مشمولة لعموم الحر بالحر والعبد لئلا يتوهم أن صيغة التذكير في قوله: {الْحُرُّ} وقوله: {الْعَبْدُ} مراد بها خصوص الذكور ٢.
الأصل وجوب القود، والدية بدل عنه إذا رضي ولي المقتول.
قال تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ (١٧٨)} (البقرة: ١٧٨).
٣٣ - قال السعدي - رحمه الله -: (وقوله: وفي هذه الآية دليل على أن الأصل وجوب القود ٣ في القتل، وأن الدية بدل عنه ٤،
فلهذا قال:
١ انظر: الإشارات الإلهية (١/ ٣١٣).
٢ انظر: التحرير والتنوير (٢/ ١٣٧)، وأنوار التنزيل (١/ ١٠٢).
٣ القود هو: قتل القاتل بمن قتله. انظر: الروض المربع للبهوتي (٤٤٢).
٤ بناء على أن معنى الآية فمن عفي له عن القصاص منه فاتّباع بمعروف وهو أن يطلب الولي الدية بمعروف ويؤدي القاتلُ الدية بإحسان، وهذا قول ابن عباس ومجاهد. وقيل في الآية معان أخرى:
منها: أن معنى قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} بمعنى فمن فضل له فضل وهذا تأويل من زعم أن الآية نزلت في فريقين كانا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل من كلا الفريقين قتلى فتقاصّا ديات القتلى بعضهم من بعض، فمن بقيت له بقية فليتبعها بمعروف، وليرد من عليه الفاضل بإحسان، ويكون معنى {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} أي فضل له قِبل أخيه القاتل شيء، وهذا قول السدي
ومنها: أن هذا محمول على تأويل عليّ (رضي الله عنه) في أول الآية؟ في القصاص بين الرجل والمرأة والحر والعبد وأداء ما بينهما من فاضل الدية. انظر: النكت والعيون (١/ ٢٢٩ و ٢٣٠).
38 · ص190
القتل لا يوجب الكفر على القاتل.
قال تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ (١٧٨)} (البقرة: ١٧٨).
٣٤ - قال السعدي - رحمه الله -: (وفي قوله: {أَخِيهِ} دليل على أن القاتل لا يكفر ١، لأن المراد بالأخوة هنا أخوة الإيمان، فلم يخرج بالقتل منها، ومن باب أولى أن سائر المعاصي التي هي دون الكفر، لا يكفر بها فاعلها، وإنما ينقص بذلك إيمانه) ا. هـ ٢
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مسألة عقدية، وهي أن القاتل لا يكفر، ووجه ذلك أن الله سمى القاتل أخاً فدل ذلك على أنه لم يكفر لبقاء الأخوة الإيمانية.
وقد قال بذلك جمع من المفسرين، قال ابن الجوزي: (ودل قوله: {مِنْ أَخِيهِ} على أن القاتل لم يخرج عن الإسلام) ٣، وممن قال بذلك أيضاً: ابن عطية، والرازي ٤، والخازن، والألوسي، وحقي، والعثيمين ٥.
١ خلافاً للخوارج الذين يكفرون مرتكب الكبيرة. وقد احتج ابن عباس بهذه الآية على الخوارج في أن المعصية لا تُزيل الإيمان، لأن الله سمى القاتل أخاً لولي الدم وتلك أخوة الإِسلام مع كون القَاتل عَاصياً. انظر: التحرير والتنوير (٢/ ١٤٢)، وتفسير القرآن الكريم للعثيمين (٢/ ٣٠٢)، والتفسير الكبير (٥/ ٤٧).
٢ انظر: تفسير السعدي (٨٤) و (٨٠١).
٣ انظر: زاد المسير (١٠٣).
٤ هو: أبوالعباس، أحمد بن المظفر بن المختار الرازي، الفقيه الحنفي، المفسر، عالم أديب، تولى القضاء والتدريس بالروم، له تصانيف عدة منها: لطائف القرآن، وحجج القرآن، وأذكار القرآن، توفي عام ٦٣١ هـ. انظر: طبقات المفسرين للداودي (١/ ٨٦)، ومعجم المؤلفين (٢/ ١٥٨).
٥ انظر: المحررالوجيز (١٥٩)، وحجج القرآن للرازي (٤٤)، ولباب التأويل (١/ ١٠٧)، وروح المعاني (٢/ ٥٠)، وروح البيان (١/ ٢٨٥)، وتفسير القرآن الكريم للعثيمين (٢/ ٣٠٢).