485 · ص251 · ج1
* مسألة في حكم إحداث قول في تفسيرالآية مخالف لأقوال السلف:
إذا اختلف السلف في تفسيرآية على قولين - مثلا - فهل يجوز إحداث قول ثالث في تفسيرالآية أو لا؟
فالجواب عن ذلك:
أن الخلاف نوعان: خلاف تنوع، وخلاف تضاد.
فإن كان هذا القول الثالث المحدث في تفسيرالآية مع القولين السابقين من خلاف التنوع فهو جائز، وحمل الآية عليه لا يخرج الآية عما قال السلف، وهو إلى الوفاق أقرب منه إلى الخلاف.
وإن كان القول المحدث مع القولين السابقين من خلاف التضاد فالصحيح أنه لا يجوز إحداثه، ولا تفسيرالآية به؛ لأن إجماعهم على قولين إجماع على بطلان ما عداهما، كما أن الإجماع على واحد إجماع على بطلان ما عداه، ولا فرق بينهما ١.
ويلزم من أجاز إحداث قول مخالف لأقوالهم إذا اختلفوا أن يجيز كذلك إحداث قول إذا أجمعوا ٢.
وفي تجويز إحداث قول مخالف لأقوالهم يوجب نسبة الأمة إلى تضييع الحق؟ لأن اختلافهم على قولين اقتضى حصر الصواب فيهما فلو كان القول الثالث المحدث حقا لكانت الأمة قد ضيعته، وهذا غير جائز؛ لأن الأمة معصومة من الاجتماع على غير الحق ٣.
وهذا القول هو الذي اعتمده إمام المفسرين الإمام الطبري وصرح به ٤.
١ العدة في أصول الفقه (٤/ ١١١٣).
٢ انظر العدة في أصول الفقه (٤/ ١١١٣).
٣ انظر روضة الناظر مع شرحها (١/ ٣٧٨)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٨٩).
٤ انظر جامع البيان (١٥/ ١٨٨)، (٢٩/ ٣٣).
486 · ص251 · ج2
* أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
هذه القاعدة من القواعد المشهورة عند العلماء، وهي قاعدة لغوية استعملها أئمة التفسير في تفسير القرآن، وفي الترجيح بين الأقوال المختلفة فيه، غير أنه قد اختلفت عباراتهم في تقرير هذه القاعدة، فمنهم من صرح بوجوب إعادة الضمير إلى أقرب مذكور، ومنهم من جعل ذلك أولى وأحسن، ومنهم من عبّر بلفظ محتمل للوجوب والاستحباب كلفظ «ينبغي»، وكل هؤلاء معتمدون للقاعدة في الترجيح، سواء كان الترجيح من باب تقديم الأولى كما هو عند قوم، أو كان الترجيح بتقديم الراجح وتضعيف ما سواه كما هو عند آخرين، وكلا النوعين من قواعد الترجيح، فمن هؤلاء الأئمة الذين رجحوا بهذه القاعدة:
١ - إمام المفسرين ابن جرير الطبري: فقد استعملها في الترجيح كثيرا. فمن ذلك قوله - في معرض تعليله لأحد ترجيحاته في التفسير: وإنما قلت هذا القول أولى بالصواب في ذلك؛ لأنه لم يجر في هذه الآية ذكر لغير موسى؛ فلأن تكون الهاء في قوله: «من قومه» من ذكر موسى لقربها من ذكره، أولى من أن تكون من ذكر فرعون لبعد ذكره منها، إذ لم يكن بخلاف ذلك دليل من خبر ولا نظر. اه ١.
٢ - ومنهم ابن حزم: قال في الإحكام: والضمير راجع إلى أقرب مذكور، لا يجوز غير ذلك؛ لأنه مبدل من مخبر عنه أو مأمور فيه، فلو رجع إلى أبعد مذكور لكان ذلك إشكالا رافعا للفهم، وإنما وضعت اللغات للبيان. اه ٢.
٣ - ومنهم ابن عطية: فقد استعمل هذه القاعدة في الترجيح، قال - بعد أن ذكر الخلاف في مرجع ضمير في أحد أمثلة هذه القاعدة -: والعود على الأقرب أحسن.
اه ٣.
١ جامع البيان (١١/ ١٥٠)، وانظر (١٦/ ٣٧٤) ط: شاكر.
٢ الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ٤٤٥).
٣ المحرر الوجيز (٣/ ١٨٥).