489 · ص253 · ج1
عن معرفته، وانقرض عصر الصحابة والتابعين وهم لم يعلموا معنى الآية،
ولكن طائفة قالت: يجوز أن يريد هذا المعنى، وطائفة قالت يجوز أن يريد هذا المعنى، وليس فيهم من علم المراد. فجاء الثالث وقال: ههنا معنى يجوز أن يكون هو المراد، فإذا كانت الأمة من الجهل بمعاني القرآن والضلال عن مراد الرب بهذه الحال توجه ما قالوه. وبسط هذا له موضع آخر. اهـ ١.
وهذا القول هو الصواب في المسألة وعليه جمهور علماء الأصول ٢.
* الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
أمثلة هذه القاعدة كثيرة ومنها: تفاسير أهل البدع كفرق الخوارج والروافض والجهمية والمعتزلة والقدرية والمرجئة والصوفية وغيرهم.
فهؤلاء يتأولون القرآن على آرائهم، فتارة يستدلون بآيات على مذهبهم ولا دلالة فيها، وتارة يتأولون ما يخالف مذهبهم بما يحرفون به الكلم عن مواضعه ٣. وقد سبق في أكثر من قاعدة ذكر جملة وافرة من تفاسير هؤلاء القوم؛ فلذلك لا أطيل هنا فالمقصود مطلق المثال، وخاصة في تفاسير هؤلاء.
فمن ذلك قول القاضي عبد الجبار المعتزلي في تفسير قول الله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ} [يونس: ٣] قال: المراد بالاستواء هو الاستيلاء والاقتدار … وبينا أن القول إذا احتمل هذا والاستواء الذي هو بمعنى الانتصاب، وجب حمله عليه؛ لأن العقل قد اقتضاه، من حيث دل على أنه تعالى قديم، ولو كان جسما يجوز عليه الأماكن لكان محدثا، - تعالى - الله عن ذلك؛ لأن الأجسام لا بد من أن يلزمها دلالة الحدث، وهي أيضا لا تنفك من
١ مجموع الفتاوى (١٣/ ٥٩). وانظر (١٣/ ٢٤ - ٢٦) منه.
٢ انظر العدة لأبي يعلى (٤/ ١١١٣)، وأصول السرخسي (١/ ٣١٠)، والتمهيد لأبي الخطاب (٣/ ٣١٠)، وروضة الناظر مع شرحها (١/ ٣٧٧)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٨٨)، والمسودة ص ٣٢٦، وشرح الكوكب (٢/ ٢٦٤)، وإرشاد الفحول ص ١٥٧.
٣ انظر مجموع فتاوى ابن تيمية (١٣/ ٣٥٦).
490 · ص253 · ج2
١٠ - ومنهم السيوطي: قال: قاعدة: الأصل عود الضمير على أقرب مذكور.
اه ١.
١١ - ومنهم الشنقيطي: قال - في معرض ترجيحه بهذه القاعدة لأحد الأقوال في أمثلتها -: … الضمير يرجع إلى أقرب مذكور إلا بدليل صارف عن ذلك يجب الرجوع إليه. اه ٢.
وغيرهم كثير ٣.
***
* الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
من الأمثلة التي تتخرج على هذه القاعدة، ما جاء في تفسير قوله تعالى:
{فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} (٢٤) [مريم: ٢٤].
للعلماء في المنادي لمريم قولان مشهوران حكاهما عن السلف أكثر أهل التفسير، وذلك بناء على الخلاف في مرجع الضمير في «فناداها».
فالقول الأول: المنادي هو الملك جبريل - عليه السلام -.
والقول الثاني: إن الذي ناداها من تحتها هو عيسى لا جبريل - عليهما السلام ٤ - وهذا القول هو الذي ترجحه هذه القاعدة؛ وذلك لأن عيسى - عليه السلام - هو أقرب المذكورين إلى الضمير في «فناداها» وذلك في قوله: {* فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا} (٢٢) [مريم: ٢٢] وما بعدها، وإعادة الضمير إلى أقرب مذكور أولى، ما لم يصرفه عنه صارف، ولا صارف هنا.
وقد رجح هذا القول جماعة من أئمة التفسير اعتمادا على هذه القاعدة. قال
١ الإتقان (٢/ ٢٨٤)، ومعترك الأقران (٣/ ٤٦٥)، وانظر همع الهوامع (١/ ٢٢٦).
٢ أضواء البيان (٤/ ٢٤٦).
٣ انظر تفسير ابن كثير (٣/ ٢٩١)، وفتح البيان (١/ ١٦٠).
٤ انظر جامع البيان (١٦/ ٦٧)، والنكت والعيون (٣/ ٣٦٤)، وتفسير ابن كثير (٥/ ٢١٨)، وغيرها من كتب التفسير.