← المكتبة ▭ 1 page
قواعد الترجيح عند المفسرين دراسة نظرية تطبيقية
حسين بن علي الحربي علوم القرآن وأصول التفسير
A− A+
73 · ص40 · ج2
المطلب الرابع: قاعدة: يجب حمل نصوص الوحي على الحقيقة * صورة القاعدة: الأصل في الكلام أن يحمل على الحقيقة، ولا يجوز العدول به عنها وله فيها محمل صحيح. فيجب حمل نصوص الوحي وتفسيرها على حقائقها. فإذا تنازع المفسرون في تفسير آية من كتاب الله - تعالى -، فمنهم من يحمل ألفاظها على حقائقها، ومنهم من يدعي عليها المجاز ويحملها على معان مخالفة لما تدل عليه حقائقها. فقول من حملها على حقائقها هو الصواب، والذي يجب أن يعتمد ويصار إليه. ومن ادعى صرف شيء من ألفاظها عن حقيقته إلى مجازه لم يتم له ذلك إلا بعد أربع مقدمات: أحدها: بيان امتناع إرادة الحقيقة، وصحة ذلك. الثاني: بيان صلاحية اللفظ‍ لذلك المعنى الذي عينه وإلا كان مفتريا على اللغة. الثالث: الجواب عن الدليل الموجب لإرادة الحقيقة. الرابع: أن تكون القرينة تصلح لنقلها عن حقيقتها إلى مجازها ١. * بيان ألفاظ‍ القاعدة: الحقيقة في اللغة مأخوذة من قولهم: حق الشيء إذا وجب. واشتقاقه من الشيء المحقق وهو المحكم، تقول ثوب محقق النّسج: أي
١ انظر نقض تأسيس الجهمية (١/ ٤١)، وبدائع الفوائد (٤/ ٢٠٥)، والموافقات (٣/ ٩٩).
74 · ص41 · ج1
تكون مرادة جميعا معا في الآية: أما الذي لا يمتنع الجمع بين مدلوليه فهذا الأمر فيه أوسع، ولا يظهر تعارض بين الأقوال إذا قيل بجميع معانيه في الآية. ومثل المتواطئ المراد به أحد النوعين أو أحد الشيئين كالضمائر في قوله تعالى: {ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى} (٩) [النجم: ٨ - ٩]، فقد اختلف المفسرون في المراد بالمقترب الداني الذي صار بينه وبين محمد - صلّى الله عليه وسلّم - قاب قوسين أو أدنى. فقالت عائشة ١ وابن مسعود ٢ وأبو ذر ٣ وأبو هريرة ٤ - رضي الله عنهم: إنه جبريل - عليه السلام. وصح عن ابن عباس ٥ - رضي الله عنهما - أنه قال: رأى محمد ربه بفؤاده مرتين. اهـ‍ فجعل هذه إحداهما ٦.
١ هي: أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق، أفقه نساء المسلمين وأعلمهن بالدين، بنى بها النبي صلّى الله عليه وسلّم في السنة الثانية من الهجرة، توفيت في سنة ثمان وخمسين. سير أعلام النبلاء (٢/ ١٣٥). ٢ هو: عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، فقيه الأمة، من السابقين الأولين إلى الإسلام، هاجر الهجرتين وشهد بدرا، توفي سنة اثنتين وثلاثين ودفن بالبقيع. انظر سير أعلام النبلاء (٣/ ٣٣١). ٣ هو: جندب بن جنادة بن سفيان من بني غفار، من كنانة، مختلف في اسمه واسم أبيه، من كبار الصحابة، ومات بالربذة من قرى المدينة، كان لا يدخر من المال قليلا ولا كثيرا، مات سنة اثنتين وثلاثين وقيل غير ذلك. انظر الإصابة (٧/ ١٠). ٤ هو: الإمام الفقيه الحافظ‍، صاحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، اختلف في اسمه واسم أبيه، على أقوال، أرجحها عبد الرحمن بن صخر الدوسي اليماني، قدم المدينة سنة سبع للهجرة ولازم النبي صلّى الله عليه وسلّم حتى مات، توفي سنة تسع وخمسين وقيل غير ذلك. انظر سير أعلام النبلاء (٢/ ٥٧٨) والإصابة (٧/ ١٩٩). ٥ هو: عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي القرشي البحر، حبر الأمة وترجمان القرآن، فقيه عصره، إمام التفسير صحب النبي صلّى الله عليه وسلّم نحوا من ثلاثين شهرا، توفي سنة ثمان أو سبع وستين. انظر سير أعلام النبلاء (٣/ ٣٣١). ٦ صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب معنى قوله: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) [النجم: ١٣] حديث (١٧٦). وانظر تفسير ابن كثير (٧/ ٤٢٢) والتفسير القيم ص ٤٥٢.
→ prev 73–74 / 605 next ←