89 · ص48 · ج2
الكلام الحقيقة اهـ ١ وفرع عليها فروعا فقهية، وهي من القواعد الأصولية المقررة عند علماء الأصول ٢.
***
* الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: {ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: ٧٥] وقوله تعالى: {وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ} [المائدة: ٦٤].
وقد سبق ذكر هذا المثال في قاعدة «لا يجوز العدول عن ظاهر القرآن … » ونبهت هناك على وجه تأييد قاعدة «يجب حمل نصوص الوحي على الحقيقة» لتلك القاعدة فيما رجحته في هذا المثال، ووعدت هناك ببسط الحديث عنها هنا، وهذا أوان الوفاء بالوعد.
وسوف أقتصر هنا على ما يتعلق بهذه القاعدة فقط إتماما لما سبق الحديث عنه في قاعدة «لا يجوز العدول عن ظاهر القرآن … ».
فذهب المعتزلة وطائفة من الأشاعرة ٣ إلى أن المراد باليدين: النعمتين، وذهبت طائفة إلى أن المراد باليدين ها هنا: القدرة ٤.
١ الأشباه والنظائر ص ٦٣.
٢ انظر المحصول (١/ ٥٧٦/١)، والروضة مع شرحها لبدران (٢/ ٢١)، وشرح تنقيح الفصول ص ١١٢، ونهاية السول (٢/ ١٧٠)، وكشف الأسرار (٢/ ١٥٢ - ١٧٠)، والبحر المحيط للزركشي (٢/ ١٩١)، و (٦/ ١٦٦)، وشرح الكوكب (١/ ٢٩٤).
٣ هم اتباع أبي الحسن الأشعري وإليه ينتسبون مذهبهم في الصفات إثبات سبع صفات فقط لدلالة العقل عليها وهي: السمع والبصر والعلم والقدرة والكلام والحياة والإرادة، ولهم مقالات أخرى خالفوا بها أهل السنة في أبواب مختلفة في الكلام وفي الإيمان والكسب وغيرها، وقد رجع أبو الحسن عن مذهبه هذا ولم يرجع أتباعه، انظر الملل والنحل (١/ ١٠٦).
٤ انظر بعض أقوالهم والإحالة إليها في الأمثلة التطبيقية على قاعدة «لا يجوز العدول عن ظاهر القرآن … ».
90 · ص49 · ج1
المبحث الثالث:
تنازع القواعد المثال الواحد
هذا المبحث من المباحث المهمة جدا في الترجيح، إذ لا يكفي فقط العلم بالقاعدة الترجيحية، بل لا بد من العلم بعدم منازعة غيرها لها في ترجيح أحد الأقوال.
وقبل الشروع في المقصد لا بد من تحرير مسألة اجتماع أكثر من قاعدة ترجيحية في مثال واحد، فالأمر لا يخلو من حالتين:
إما أن تكون هذه القواعد مجتمعة بعضها يؤيد بعضا في ترجيح قول واحد.
وإما أن يكون بعضها يرجح قولا وأخرى ترجح آخر.
فأما الأولى فهي من تعاضد القواعد وتقوية بعضها بعضا، فهي تزيد الترجيح قوة إلى قوة والأمثلة على ذلك كثيرة في ثنايا هذا الكتاب.
وأما الأخرى فهي المقصودة في هذا المبحث، وهي التي سيجري الكلام عليها في خطوط عامة تنسج ترتيبها عند تنازعها، دون تفصيل وإطناب لا سيما في الأمثلة؛ لأنها سوف تأتي في مواضعها في ثنايا الكتاب. وتعارض وجوه الترجيح قد تكلم عليه الأصوليون، وقرروا ضابطا عاما في تقديم بعضها على بعض وهو تقديم ما قوي فيه الظن.
قال الزركشي: واعلم أن التراجيح كثيرة، ومناطها ما كان إفادته للظن أكثر فهو الأرجح، وقد تتعارض هذه المرجحات، كما في كثرة الرواة وقوة العدالة وغيره، فيعتمد المجتهد في ذلك ما غلب على ظنه. اهـ ١.
وقال الشنقيطي: والمرجحات يرجح بعضها على بعض، وضابط ذلك عند الأصوليين هو قوة الظن. اهـ ٢.
١ البحر المحيط (٦/ ١٥٩)، وانظر كشف الأسرار عن أصول البزدوي (٤/ ١٦٤).
٢ أضواء البيان (٥/ ٣٧١).