← المكتبة ▭ 1 page
توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم
عبد العزيز بن عبد الله الراجحي شروح الحديث
A− A+
1983 · ص398 · ج7
بَابُ اسْتِحْبَابِ الشَّفَاعَةِ فِيمَا لَيْسَ بِحَرَامٍ [٢٦٢٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَتَاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ عَلَى جُلَسَائِهِ، فَقَالَ: ((اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا أَحَبَّ)). [خ: ١٤٣٢] في هذا الحديث: الحث على الشفاعة، وأنها من أسباب الأجر، وهذا إذا كانت الشفاعة بحق، وكان المشفوع له مستحقًّا للشفاعة، فإن الشافع يكون مأجورًا سواء تحققت الشفاعة أو لم تتحقق؛ ولذلك شفع النبي صلى الله عليه وسلم إلى بريرة رضي الله عنها أن ترجع إلى زوجها مغيث رضي الله عنه لما أُعتِقت، وكان زوجها مغيث عبدًا، وهي صارت حرة، فصار لها الخيار في أن تبقى، أو أن تنفسخ منه، وكان زوجها مغيثًا يحبها كثيرًا، وكان يطوف بالأسواق ودموعه على خديه، يريدها وهي لا تريده، وهذا من العجب! هو يحبها وهي تكرهه، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حاله رقَّ له، وتوسط له، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَوْ رَاجَعْتِهِ)): قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: ((إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ)): قَالَتْ: لا حَاجَةَ لِي فِيهِ)) ١، ولم تقبل شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، فالشافع يؤجر سواء تحقق الطلب، أو لم يتحقق. وقوله: ((اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا)): هذا إذا كانت الشفاعة بحق لمستحق، أما أن يشفع بالباطل فلا، وهي شفاعة سيئة، قال الله تعالى: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها}، فإذا شفع شفاعة سيئة فهو آثم، وذلك كأن يشفع لشخص في وظيفة وهو ليس بأهل لها، فهذه شفاعة سيئة وهذا غاش للمسلمين، أو يشفع لشخص يعطى
١ أخرجه البخاري (٥٢٨٣).
1984 · ص400 · ج7
بَابُ اسْتِحْبَابِ مُجَالَسَةِ الصَّالِحِينَ، وَمُجَانَبَةِ قُرَنَاءِ السُّوءِ [٢٦٢٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً)). [خ: ٥٥٣٤] قوله: ((إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ))، أي: يعطيك. وفي هذا الحديث: الحث على الجليس الصالح، والتحذير من جليس السوء، فالجليس الصالح مثله كحامل المسك، والجليس السوء كنافخ الكير، فحامل المسك تستفيد منه على كل حال؛ إما أن تبتاع منه، وإما أن يعطيك، وإما أن يعلق بك رائحة طيبة، فأنت مستفيد على كل حال، وكذلك الجليس الصالح إما أن يرغبك في الخير، وإما أن يحذرك من الشر فستستفيد منه، وجليس السوء تتضرر منه على كل حال؛ كنافخ الكير الذي ينفخ في الفحم والنار وأنت بجواره، فإما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا كريهة تلصق بثيابك، وكذلك جليس السوء تتضرر منه، فهو إما أن يزهدك في الخير، أو يرغبك في الشر، فأنت متضرر منه على كل حال، فالواجب الحذر من جليس السوء، والرغبة في الجليس الصالح.
→ prev 1983–1984 / 4625 next ←