3803 · ص382 · ج6
والراجح القول الأول.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لَا طِيَرَةَ، وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ))، لكن جاء حديث: ((وَإِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ: الْمَرْأَةِ، وَالْفَرَسِ، وَالدَّارِ))، وفي لفظ: ((إِنْ يَكُنْ مِنَ الشُّؤْمِ شَيْءٌ حَقٌّ، فَفِي الْفَرَسِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالدَّارِ))، وفي لفظ: ((إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ، فَفِي الْفَرَسِ، وَالْمَسْكَنِ، وَالْمَرْأَةِ))، وفي لفظ: ((إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ، فَفِي الرَّبْعِ، وَالْخَادِمِ، وَالْفَرَسِ))، قال الخطابي وجماعة: ((إن هذا مستثنى من قوله: ((ولا طيرة)))) ١، وأن هذه الثلاث قد يكون فيها شؤم، فالدار يكون فيها شؤم بضيقها وسوء جيرانها، فيبيعها ويبدلها بغيرها، وقد يكون الشؤم في المرأة بأن تكون عقيمًا، أو تكون سليطة اللسان، أو تتعرض للريب، ولا تحفظ نفسها فيطلقها، وقد يكون الشؤم في الفرس، بأن تكون لا يُغْزَى عليها في سبيل الله، أو بغلاء ثمنها، وقد يقال: إن السيارة الآن تنوب مقام الفرس، إذا كانت تؤذيه فيبيعها، وفي الخادم بأن يكون سيئ الخلق ولا يؤدي ما أوكل إليه فيستبدله.
وقيل: المعنى أن بعض الأعيان قد يجعل الله فيها شيئًا من الشؤم، أو شيئًا من النحاسة والشر، وليس هذا من باب التشاؤم.
١ معالم السنن، للخطابي (٤/ ٢٣٦).
3804 · ص382 · ج7
بَابُ فَضْلِ إِزَالَةِ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ
[١٩١٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ- مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ- عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ)).
حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ عَلَى ظَهْرِ طَرِيقٍ، فَقَالَ: ((وَاللَّهِ لَأُنَحِّيَنَّ هَذَا عَنِ الْمُسْلِمِينَ لَا يُؤْذِيهِم؛ فَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ)).
في هذين الحديثين: فضل عظيم لمن أزال الأذى عن المسلمين، وأنه من أسباب دخول الجنة، فهذا الرجل أزال غصن شوك عن المسلمين فغفر الله له بسبب ذلك، وهذا يدل على أن بعض الحسنات قد تكون سببًا في مغفرة الذنوب، وظاهره أن الله غفر له الكبائر؛ مثل قصة المرأة البغي من بني إسرائيل التي سقت كلبًا فغفر الله لها تلك الكبيرة ١، فهذه الحسنة قد تكون من الحسنات العظيمة، وقد تمحى بها كبائر الذنوب.
وفيهما: فضل إزالة الأذى عن المسلمين، وإذا كان هذا في إزالة الأذى الحسي فإزالة الأذى المعنوي أَولى وأعظمُ أجرًا، وهو إزالة المنكرات وردع أصحابها باليد أو باللسان، وإنكارها عليهم بالقلب عند عدم القدرة؛ لأن أذى المنكرات أشد؛ لكونها سببا في العقوبات.
١ أخرجه البخاري (٣٤٦٧)، ومسلم (٢٢٤٥).