833 · ص99 · ج8
بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَقَامَ أَبُو الْعَاصِ بِمَكَّةَ مُشْرِكًا، ثُمَّ أَتَى الْمَدِينَةَ فَأَسْلَمَ، فَرَدَّهَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (١)
{وَاسْأَلُوا} أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ {مَا أَنْفَقْتُمْ} أَيْ: إِنْ لَحِقَتِ امْرَأَةٌ مِنْكُمْ بِالْمُشْرِكِينَ مُرْتَدَّةً فَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ مِنَ الْمَهْرِ إِذَا مَنَعُوهَا مِمَّنْ تُزَوَّجَهَا مِنْهُمْ {وَلْيَسْأَلُوا} يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَحِقَتْ أَزْوَاجُهُمْ بِكُمْ {مَا أَنْفَقُوا} مِنَ الْمَهْرِ مِمَّنْ تَزَوَجَهَا مِنْكُمْ {ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} قَالَ الزُّهْرِيُّ: لَوْلَا الْهُدْنَةُ وَالْعَهْدُ الَّذِي كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ لَأَمْسَكَ النِّسَاءَ وَلِمَ يَرُدَّ الصَّدَاقَ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَصْنَعُ بِمَنْ جَاءَهُ مِنَ الْمُسَلِّمَاتِ قَبْلَ الْعَهْدِ (٢) فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَقَرَّ الْمُؤْمِنُونَ بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَدَّوْا مَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ نَفَقَاتِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى نِسَائِهِمْ، وَأَبَى الْمُشْرِكُونَ أَنْ يُقِرُّوا بِحُكْمِ اللَّهِ فِيمَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ أَدَاءِ نَفَقَاتِ الْمُسْلِمِينَ [عَلَى نِسَائِهِمْ] (٣) فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنْ فَاتَكُمْ}
{وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١) }
{وَإِنْ فَاتَكُمْ} أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ {شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ} فَلَحِقْنَ بِهِمْ مُرْتَدَّاتٍ {فَعَاقَبْتُمْ} قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: مَعْنَاهُ غَنِمْتُمْ، أَيْ غَزَوْتُمْ فَأَصَبْتُمْ مِنَ الْكُفَّارِ عُقْبَى وَهِيَ الْغَنِيمَةُ، وَقِيلَ: ظَهَرْتُمْ وَكَانَتِ الْعَاقِبَةُ لَكُمْ، وَقِيلَ: أَصَبْتُمُوهُمْ فِي الْقِتَالِ بِعُقُوبَةٍ حَتَّى غَنِمْتُمْ، قَرَأَ حُمَيدُ الْأَعْرَجُ "فَعَقَّبْتُمْ" بِالتَّشْدِيدِ، وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ: "فَعَقَبْتُمْ" خَفِيفَةً بِغَيْرِ أَلْفٍ وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ " فَأَعْقَبْتُمْ " أَيْ صَنَعْتُمْ بِهِمْ كَمَا صَنَعُوا بِكُمْ. وَكُلُّهَا لُغَاتٌ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، يُقَالُ: عَاقَبَ وَعَقَّبَ وَعَقَبَ، وَأَعْقَبَ وَتَعَقَّبَ وَتَعَاقَبَ وَاعْتَقَبَ: إِذَا غَنِمَ. وَقِيلَ: "التَّعْقِيبُ": غَزْوَةٌ بَعْدَ غَزْوَةٍ {فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ} إِلَى الْكُفَّارِ مِنْكُمْ {مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا} عَلَيْهِنَّ مِنَ الْغَنَائِمِ الَّتِي صَارَتْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ. وَقِيلَ: فَعَاقَبْتُمُ الْمُرْتَدَّةَ بِالْقَتْلِ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لِحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ مِنْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ سِتُّ نِسْوَةٍ: أُمُّ الْحَكَمِ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ وَكَانَتْ تَحْتَ عِيَاضِ بْنِ شَدَّادٍ الْفِهْرِيِّ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ
(١) عزاه السيوطي في الدر المنثور: ٨ / ١٣٦ لعبد بن حميد. وذكره ابن كثير في التفسير: ٤ / ٣٥٢. وراجع ما كتبه الحافظ ابن عبد البر في التمهيد: ١٢ / ١٩-٣٥، وانظر إرواء الغليل: ٦ / ٣٣٩-٣٤١.
(٢) أخرجه الطبري: ٢٨ / ٧٤. وزاد السيوطي في الدر المنثور: ٨ / ١٣٦-١٣٧ عزوه لعبد بن حميد وأبي داود في ناسخه وابن المنذر.
(٣) ساقط من "أ".
834 · ص100 · ج1
السَّلَامُ مِنَ الْجَنَّةِ فَتَوَارَثَهَا الْأَنْبِيَاءُ حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَعْطَاهَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.
قَالَ مُقَاتِلٌ: اسْمُ الْعَصَا بنعته قَوْلُهُ تَعَالَى {الْحَجَرَ} اخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ وَهْبٌ: لَمْ يَكُنْ حَجَرًا مُعَيَّنًا بَلْ كَانَ مُوسَى يَضْرِبُ أَيَّ حَجَرٍ كَانَ مِنْ عُرْضِ الْحِجَارَةِ فَيَنْفَجِرُ عُيُونًا لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ، وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا ثُمَّ تُسِيلُ كُلُّ عَيْنٍ فِي جَدْوَلٍ إِلَى السِّبْطِ الَّذِي أُمِرَ أَنْ يَسْقِيَهُمْ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: كَانَ حَجَرًا مُعَيَّنًا بِدَلِيلٍ أَنَّهُ عُرِّفَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ حَجَرًا خَفِيفًا مُرَبَّعًا عَلَى قَدْرِ رَأْسِ الرَّجُلِ كَانَ يَضَعُهُ فِي مِخْلَاتِهِ فَإِذَا احْتَاجُوا إِلَى الْمَاءِ وَضَعَهُ وَضَرَبَهُ بِعَصَاهُ، وَقَالَ عَطَاءٌ: كَانَ لِلْحَجَرِ أَرْبَعَةُ وُجُوهٍ لِكُلِّ وَجْهٍ ثَلَاثَةُ أَعْيُنٍ لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ وَقِيلَ: كَانَ الْحَجَرُ رُخَامًا، وَقِيلَ: كَانَ مِنَ الْكَذَّانِ (١) فِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ حُفْرَةً، يَنْبُعُ مِنْ كُلِّ حُفْرَةٍ عَيْنُ مَاءٍ عَذْبٍ، فَإِذَا فَرَغُوا وَأَرَادَ مُوسَى حَمْلَهُ ضَرَبَهُ بِعَصَاهُ فَيَذْهَبُ الْمَاءُ، وَكَانَ يَسْقِي كُلَّ يَوْمٍ سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ الْحَجَرُ الَّذِي وَضَعَ مُوسَى ثَوْبَهُ عَلَيْهِ لِيَغْتَسِلَ فَفَرَّ بِثَوْبِهِ وَمَرَّ بِهِ عَلَى مَلَأٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ حِينَ رَمَوْهُ بِالْأُدْرَةِ (٢) فَلَمَّا وَقَفَ أَتَاهُ جِبْرَائِيلُ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ارْفَعْ هَذَا الْحَجَرَ فَلِي فِيهِ قُدْرَةٌ، وَلَكَ فِيهِ مُعْجِزَةٌ، فَرَفَعَهُ وَوَضَعُهُ فِي مِخْلَاتِهِ، قَالَ عَطَاءٌ: كَانَ يَضْرِبُهُ مُوسَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ضَرْبَةً فَيَظْهَرُ عَلَى مَوْضِعِ كُلِّ ضَرْبَةٍ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ فَيَعْرَقُ ثُمَّ يَتَفَجَّرُ الْأَنْهَارُ، ثُمَّ تَسِيلُ. وَأَكْثَرُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ يَقُولُونَ: انْبَجَسَتْ وَانْفَجَرَتْ وَاحِدٌ، وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: انْبَجَسَتْ عَرِقَتْ وَانْفَجَرَتْ، أَيْ: سَالَتْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
{فَانْفَجَرَتْ} أَيْ فَضَرَبَ فَانْفَجَرَتْ أَيْ سَالَتْ مِنْهُ {اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} عَلَى عَدَدِ الْأَسْبَاطِ {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ} مَوْضِعَ شُرْبِهِمْ لَا يُدْخِلُ سِبْطٌ عَلَى غَيْرِهِ فِي شُرْبِهِ {كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ} أَيْ وَقُلْنَا لَهُمْ كُلُوا مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وَاشْرَبُوا مِنَ الْمَاءِ فَهَذَا كُلُّهُ مِنْ رِزْقِ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَا مَشَقَّةٍ {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} وَالْعَيْثُ: أَشَدُّ الْفَسَادِ يُقَالُ عَثَى يَعْثِي عَيْثًا، وَعَثَا يَعْثُو عَثْوًا وَعَاثَ يَعِيثُ عَيْثًا.
{وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١) }
قَوْلُهُ تَعَالَى {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ} وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا وَسَئِمُوا مِنْ أَكْلِ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وَإِنَّمَا قَالَ {عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ} وَهُمَا اثْنَانِ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُعَبِّرُ عَنِ الِاثْنَيْنِ بِلَفْظِ الْوَاحِدِ كَمَا تُعَبِّرُ عَنِ الْوَاحِدِ بِلَفْظِ الِاثْنَيْنِ، كقوله تعالى ١٢/ب "يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ" (٢٢-الرَّحْمَنِ) وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ
(١) الحجر الرخو كأنه مدر وربما كان نخرا.
(٢) انتفاخ الخصية.