← المكتبة ▭ 1 page
تفسير البغوي - طيبة
البغوي، أبو محمد التفسير 516 هـ
A− A+
875 · ص104 · ج5
وَقِيلَ: الشَّجَرَةُ الْمَلْعُونَةُ هِيَ: الَّتِي تَلْتَوِي عَلَى الشَّجَرِ فَتُجَفِّفُهُ يَعْنِي الْكَشُوثَ (١) . {وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمُ} التَّخْوِيفُ {إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا} أَيْ: تَمَرُّدًا وَعُتُوًّا عَظِيمًا. {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١) قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢) قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤) } {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} أَيْ: خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ أَنَا جِئْتُ بِهِ وَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ إِبْلِيسَ حَتَّى أَخَذَ كَفًّا مِنْ تُرَابِ الْأَرْضِ مِنْ عَذْبِهَا وَمِلْحِهَا فَخَلَقَ مِنْهُ آدَمَ فَمَنْ خَلَقَهُ مِنَ الْعَذْبِ فَهُوَ سَعِيدٌ وَإِنْ كَانَ ابْنَ كَافِرِينَ وَمَنْ خَلَقَهُ مِنَ الْمِلْحِ فَهُوَ شَقِيٌّ وَإِنْ كَانَ ابْنَ نَبِيِّينَ (٢) . {قَالَ} يَعْنِي: إِبْلِيسُ {أَرَأَيْتَكَ} أَيْ: أَخْبِرْنِي وَالْكَافُ لِتَأْكِيدِ الْمُخَاطَبَةِ {هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ} أَيْ: فَضَّلْتَهُ علي {لَئِنْ أَخَّرْتَنِي} أَمْهَلْتَنِي {إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ} أَيْ: لَأَسْتَأْصِلَنَّهُمْ بِالْإِضْلَالِ يُقَالُ: احْتَنَكَ الْجَرَادُ الزَّرْعَ إِذَا أَكَلَهُ كُلَّهُ وَقِيلَ هُوَ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ حَنَّكَ الدَّابَّةَ يُحَنِّكُهَا: إِذَا شَدَّ فِي حَنَكِهَا الْأَسْفَلِ حَبْلًا يَقُودُهَا أَيْ: لَأَقُودَنَّهُمْ كَيْفَ شِئْتُ وَقِيلَ لَأَسْتَوْلِيَنَّ عَلَيْهِمْ بِالْإِغْوَاءِ {إِلَّا قَلِيلًا} يَعْنِي الْمَعْصُومِينَ الَّذِينَ اسْتَثْنَاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَوْلِهِ: "إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ" (الْحِجْرِ-٤٢) . {قَالَ} اللَّهُ: {اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ} أي: جزاءك وَجَزَاءُ أَتْبَاعِكَ {جَزَاءً مَوْفُورًا} وَافِرًا مُكَمَّلًا يُقَالُ: وَفَّرْتُهُ أُوَفِّرُهُ وَفْرًا. وَقَوْلُهُ: {وَاسْتَفْزِزْ} وَاسْتَخْفِفْ وَاسْتَجْهِدْ {مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ} أَيْ: مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ
(١) ذكره ابن الجوزي: (٥ / ٥٦) عن ابن عباس أيضا: وانظر فيما سبق تفسير الآية (٢٦) من سورة إبراهيم: ٤ / ٣٤٨ تعليق (٦) . (٢) أخرجه الطبري: ١٥ / ١١٦ عن ابن عباس موقوفا.
876 · ص104 · ج7
سُورَةُ الزُّمَرِ مَكِّيَّةٌ إِلَّا قوله {قل يا عبادي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} الْآيَةَ (١) . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) } {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ} [أَيْ: هَذَا تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ. وَقِيلَ: تَنْزِيلُ الْكِتَابِ] (٢) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ: {مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} أَيْ: تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ لَا مِنْ غَيْرِهِ. {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} قَالَ مُقَاتِلٌ: لَمْ نُنْزِلْهُ بَاطِلًا لِغَيْرِ شَيْءٍ، {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} الطَّاعَةَ. {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} قَالَ قَتَادَةُ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقِيلَ: [لَا يَسْتَحِقُّ الدِّينَ الْخَالِصَ إِلَّا اللَّهُ وَقِيلَ: الدِّينُ الْخَالِصُ مِنَ الشَّرَكِ هُوَ لِلَّهِ] (٣) . {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ} أَيْ: مِنْ دُونِ اللَّهِ، {أَوْلِيَاءَ} يَعْنِي: الْأَصْنَامَ، {مَا نَعْبُدُهُمْ} أَيْ قَالُوا: مَا نَعْبُدُهُمْ، {إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} وَكَذَلِكَ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ.
(١) أخرج النحاس في تاريخه عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: نزلت بمكة سورة الزمر سوى ثلاث آيات نزلت بالمدينة في وحشي قاتل حمزة "قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم" إلى ثلاث آيات. وانظر: زاد المسير: ٧ / ١٦٠. (٢) ما بين القوسين زيادة من "ب". (٣) في "أ": (لا يستحق الدين الخالص من الشرك سوى الله) .
→ prev 875–876 / 3553 next ←