1023 · ص981 · ج2
هُرَيْرَةَ هو الأشبه. ١
رابعاً: الحكم علي إسناد الحديث:
الحديث بإسناد الطبراني ــــ الوجه الأول المرجوح ــــ "إسناده منكر" فيه: إِبْرَاهِيم بْن أَبِي الْمُهَاجِر ضعيف وخالف الثقات كما في رواية الوجه الثالث. وكذلك الحديث بالأوجه الأخري عدا الوجه الثالث فكلها أوجه ضعيفة أو مرجوحة بأوجه أخري.
وأما الحديث بالوجه الثالث ــــ الراجح ــــ "إسناده صحيح".
قلت: ومع ما ذهبنا إليه من صحة هذا الحديث بأحد أوجهه إلا أنه قد ذهب بعض العلماء إلي أنَّ هذا الحديث باطل بكل طرقه ولا يصح منها شئ وذلك لمخالفته لما جاء في أصول الشريعة ومن ذلك قول الله تعالي {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ٢
فقال السيوطي: لَا يَصِّحُ. ٣ وقال الفيروز آبادي: ولد الزنا لا يدخل الجنة لم يثبت بل هو باطل. ٤
وقال ابن عراق: أعله الدَّارَقُطْنِيّ وَأَبُو نعيم بِالِاضْطِرَابِ، وَأَيْضًا فَهُوَ مُخَالف لقَوْله تَعَالَى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} وَلقَوْله: ولد الزِّنَا لَيْسَ عَلَيْهِ من إِثْم أَبَوَيْهِ شَيْء، أخرجه الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عَائِشَة، قَالَ السخاوي وَسَنَده جيد وَالله أعلم. ٥
وقال الملا علي القاري: وَلَدُ الزِّنَا لَا يَدْخُلُ الْجَنَّة يَدُورُ عَلَى الْأَلْسِنَةِ وَلَمْ يَثْبُتْ بِالسُّنَّةِ بَلْ قَالَ الْقَاضِي مَجْدُ الدِّينِ الشِّيرَازِيُّ فِي سِفْرِ السَّعَادَةِ هُوَ بَاطِلٌ. ٦
وقال ابن الجوزي: لَيْسَ فِي هَذِه الْأَحَادِيث شئ يَصح. ثُمَّ أَي ذَنْب لولد الزِّنَا حَتَّى يمنعهُ من دُخُول الْجَنَّة. فَهَذِهِ الْأَحَادِيث تخَالف الْأُصُول، وَأَعْظَم مَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}. ٧
بينما ذهب بعض العلماء إلي تأويل هذا الحديث علي فرض صحته. قلت: وهذا هو الذي يتفق مع ما ذهبنا إليه من صحة الحديث والله أعلم.
فقال الطحاوي: تَأَمَّلْنَا مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ إذْ كَانَ مَا فِيهِ مُضَافًا إلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَكَانَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَنَا، وَاللهُ أَعْلَمُ أُرِيدَ بِهِ مَنْ تَحَقَّقَ بِالزِّنَى حَتَّى صَارَ غَالِبًا عَلَيْهِ، فَاسْتَحَقَّ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوبًا إلَيْهِ، فَيُقَالَ: هُوَ ابْنٌ لَهُ كَمَا يُنْسَبُ الْمُتَحَقِّقُونَ بِالدُّنْيَا إلَيْهَا، فَيُقَالُ لَهُمْ بَنُو الدُّنْيَا؛ لِعِلْمِهِمْ لَهَا وَتَحَقُّقِهِمْ بِهَا
١ يُنظر "العلل" للدارقطني ٩/ ١٠١.
٢ سورة الإسراء آية رقم: ١٥.
٣ يُنظر "اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة" للسيوطي ٢/ ١٦٤
٤ يُنظر "رسالة في بيان ما لم يثبت فيه حديث صحيح من الأبواب" ١/ ٤.
٥ يُنظر "تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة" ٢/ ٢٢٨.
٦ يُنظر "الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة" ١/ ٣٧٨.
٧ يُنظر "الموضوعات" لابن الجوزي ٣/ ١١١.
1024 · ص982 · ج2
وَتَرْكِهِمْ مَا سِوَاهَا، وَكَمَا قَدْ قِيل لِلْمُتَحَقِّقِ بِالْكَلَامِ: ابْنُ الْأَقْوَالِ، وَكَمَا قِيلَ لِلْمُسَافِرِ: ابْنُ سَبِيلٍ. فَمِثْلُ ذَلِكَ ابْنُ زِنْيَةٍ، قِيلَ لِمَنْ قَدْ تَحَقَّقَ بِالزِّنَى حَتَّى صَارَ بِتَحَقُّقِهِ بِهِ مَنْسُوبًا إلَيْهِ، وَصَارَ الزِّنى غَالِبًا عَلَيْهِ: أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِهَذِهِ الْمَكَانِ الَّتِي فِيهِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ مَنْ كَانَ لَيْسَ مِنْ ذَوِي الزِّنَى الَّذِي هُوَ مَوْلُودٌ مِنَ الزِّنَى. ١
وقَالَ الرَّافِعِيّ فِي تَارِيخ قزوين رَأَيْت بِخَط الْإِمَام أَحْمَد بْن إِسْمَاعِيل الطَّالقَانِي سَأَلَني بعض الْفُقَهَاء فِي الْمدرسَة النظامية بِبَغْدَاد عَمَّا ورد فِي الْخَبَر أَن وُلِد الزِّنَا لَا يدْخل الجَنَّة وَهُنَاكَ جمع من الْفُقَهَاء فَقَالَ بَعضهم هَذَا لَا يَصح {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} وَذكر أَن بَعضهم قَالَ فِي مَعْنَاهُ أَنَّهُ إِذا عمل عمل أصليه وارتكب الْفَاحِشَة لَا يدْخل الجَنَّة وزيف ذَلِكَ بِأَن هَذَا لَا يخْتَص بِولد الزِّنَا بل حَال الرشدة مثله ثُمّ فتح اللَّه عَلَى جَوَابا شافيًا لَا أَدْرِي هَلْ سبقت إِلَيْهِ فَقلت مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يدْخل الجَنَّة بِعَمَل أصليه بِخِلَاف ولد الرشد فَإنَّهُ إِذا مَاتَ طفْلا وَأَبَوَاهُ مُؤْمِنَانِ الْحق بهما وَبلغ درجتهما بصلاحهما عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} ٢ وَولد الزِّنَا لَا يدْخل الجَنَّة بِعَمَل أصليه أما الزَّانِي فنسبه مُنْقَطع وأمّا الزَّانِيَة فشؤم زنَاهَا وَإِن صلحت يمْنَع منْ وُصُول بركَة صَلَاحهَا إِلَيْهِ انْتهى. ٣
وقال السخاوي: حَدِيث: لا يَدْخُلُ الجنة ولد زنية، زعم ابن طاهر وابن الجوزي أن هذا الحديث موضوع، وليس بجيد، وقال شيخنا: وقد فسره العلماء على تقدير صحته، بأن معناه: إذا عمل بمثل عمل أبويه، وزيفه الطالقاني بأنه لا يختص بولد الزنا، فولد الرِّشْدة كذلك، واتفقوا على أنه لا يحمل على ظاهره، لقوله تعالى {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}. وقال في تأويله أيضاً: إن المراد به من يواظب الزنا، كما يقال للشجعان بنو الحرب، ولأولاد المسلمين بنو الإسلام. ٤
وقال ابن عراق: وَأجِيب بأجوبة أُخْرَى مِنْهَا أَن يكون سبق فِي علم الله أَن ولد الزِّنَا ونسله يَفْعَلُونَ أفعالاً مُنَافِيَة لدُخُول الْجنَّة فَيكون عدم دُخُولهمْ لتِلْك الْأَفْعَال، لَا لزنا أَبَوَيْهِ، وَمِنْهَا إبقاؤه على ظَاهره وَيكون المُرَاد التنفير عَن الزِّنَا وَالله أعلم. ٥
خامساً: النظر في كلام المُصَنِف:
قال الطبراني رحمه الله: لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا عَمْرٌو.
قلت: والأمر في ذلك كما قال عليه من الله الرحمة والرضوان.
١ "شرح مشكل الآثار" للطحاوي ٢/ ٣٧١.
٢ سورة الطور آية رقم: ٢١.
٣ يُنظر "اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة" ٢/ ١٦٤.
٤ يُنظر "المقاصد الحسنة" ١/ ٤٧٠.
٥ يُنظر "تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة" ٢/ ٢٢٨.