345 · ص106 · ج1
رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ وَأَهْلُهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَخَافُ عَلَيْنَا وَقَدْ آمَنَّا بِكَ، وَبِمَا جِئْتَ بِهِ؟ قَالَ: إِنَّ الْقُلُوبَ بِيَدِ اللهِ يُقَلِّبُهَا. ١
قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَهَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أَنَسٍ، وَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- وَحَدِيثُ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ أَنَسٍ أَصَحُّ.
قلت: وللحديث شاهد بالمعني أخرجه مسلم في "صحيحه" من حديث عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، يَقُولُ: إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: اللهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ. ٢
وعلي هذا فيرتقي الحديث بمتابعاته وشواهده من الحسن إلي الصحيح لغيره، والله أعلم.
رابعاً: النظر في كلام المُصَنِف:
قال الطبراني: لَا يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَنَسٍ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ. تَفَرَّدَ بِهِ: أَبُو الْوَاصِلِ.
قلت: والأمر في ذلك كما قال عليه من الله الرحمة والرضوان.
خامساً: التعليق علي الحديث:
يبين لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن القلوبَ بمشيئة الله تعالى يقلبها كيف يشاء من الإيمان إلى الكفر، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الطاعة إلى العصيان، ومن العصيان إلى الطاعة؛ فلا ينبغي لأحدٍ أن يَأمَنَ زوالَ نعمة الله التي أنعمها عليه، بل ينبغي أن يخافَ ويتضرَّعَ ويسألَ الله الثبات علي نعمة الإيمان والإسلام والطاعة حتي يلقي الله تبارك وتعالي. وأنه يجب علي العبد ألا يغتر بنفسه ولا بعمله وأن يعيش بين الخوف والرجاء فيخشي عقاب الله ويرجو رحمة الله وأن يظل يدعو الله تعالي أن يميته علي الإسلام ويختم له بخاتمة أهل الإيمان. قال البيضاوي: في دعائه -صلى الله عليه وسلم- يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك إشارة إلى شمول ذلك للعباد حتى الأنبياء ورفع توهم من يتوهم أنهم يستثنون من ذلك وخص نفسه بالذكر إعلامًا بأن نفسه الزكية إذا كانت مفتقرة إلى أن تلجأ إلى الله سبحانه فافتقار غيرها ممن هو دونه أحق بذلك. ٣
١ أخرجه أحمد في "مسنده" (٢١/ ٢٥٩ رقم ١٣٦٩٦)، وابن ماجة في "سننه" ك/ الدعاء ب/ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- (٥/ ٩ رقم ٣٨٣٤)، والترمذي في "سننه" ك/ القدر ب/ مَا جَاءَ أَنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيِ الرَّحْمَنِ (٤/ ٤٤٨ رقم ٢١٤٠).
٢ أخرجه مسلم في "صحيحه" ك/ القدر ب/ تَصْرِيفِ اللهِ تَعَالَى الْقُلُوبَ كَيْفَ شَاءَ (٤/ ٢٠٤٥ رقم ٢٦٥٤).
٣ يُنظر "فتح الباري" لابن حجر ١٣/ ٣٧٧.
346 · ص108 · ج1
- كلهم بنحوه دون قوله: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَخَطَئِي وَعَمْدِي. فهذه زيادة تفرد بها عتاب عن عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ وَاصِلٍ عند الطبراني ــــــ رواية الباب ـــــ، والدولابي في الكني والأسماء.
ثانياً: دراسة الإسناد:
١) أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْن مُسْلِم الأَبَّار: "ثقة حافظ" سبقت ترجمته في حديث رقم (١).
٢) مُعَلَّلُ بْنُ نُفَيْلٍ بْن عَليّ الحَرَانِيُّ: "ثقة" سبقت ترجمته في حديث رقم (١٠).
٣) عَتَّابُ بْنُ بُشَيْرٍ: "صدوق يُحسن حديثه" سبقت ترجمته في حديث رقم (١١). …
٤) عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ وَاصِلٍ أَبِو الْوَاصِلِ: " يُحسن حديثه" سبقت ترجمته في حديث رقم (١١).
٥) أَنَس بْن مَالِك بن النَّضر -رضي الله عنه-: "صحابي" سبقت ترجمته في حديث رقم (٣).
ثالثاً: الحكم علي إسناد الحديث:
الحديث بإسناد الطبراني "إسناده حسن لذاته" لأجل عَتَّاب بْن بَشِيْرٍ، وعَبْد الْحَمِيد بْن وَاصِلٍ. فصدوقان.
قلت: لكن للحديث متابعات أخري عن أنس يرتقي بها إلي الصحة، كما سبق بيانها في التخريج.
وللحديث شاهد في صحيح مسلم عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: لَا أَقُولُ لَكُمْ إِلَّا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: كَانَ يَقُولُ: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ، وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ، وَالْبُخْلِ، وَالْهَرَمِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ اللهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا، اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا. ١
وعلي ذلك فالحديث يرتقي بمتابعاته وشواهده من الحسن إلي الصحيح لغيره، دون قوله: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَخَطَئِي وَعَمْدِي، فهذه زيادة تفرد بها عتَّاب، عن عَبْدِ الْحَمِيد، فهي حسنة علي أصلها. والله أعلم.
رابعاً: النظر في كلام المُصَنِفْ:
قال المُصَنِفْ رحمه الله: لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي الْوَاصِلِ إِلَّا عَتَّابٌ.
قلت: والأمر كما قال عليه من الله الرحمة والرضوان.
خامساً: التعليق علي الحديث:
هذا الحديث من الأدعية المأثورة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يستعيذ بالله مِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ وَمِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ، فهذا منطوق الحديث، ومفهومه أنه كان يسأل الله تبارك وتعالي قلباً خاشعاً، ونفساً راضية بما أعطاه الله لصاحبها، وعلماً نافعاً، ودعاء مستجاباً فهذا الدعاء فيه سؤال الغاية والنهاية الحسنة في هذه الأمور، فالقلب يكون فيه الخشوع، وإذا فقد الخشوع فإن هذا مما يتعوذ منه. وكان يستعيذ بالله من علم لا ينفع. لأن فائدة العلم في العمل، والعلم بدون العمل يكون وبالاً على الإنسان، فالإنسان إذا علم وعمل يكون عمله على بصيرة، واهتدى إلى بصيرة، وعبد الله على بصيرة، وإذا كان
١ أخرجه مسلم في "صحيحه" ك/ الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ب/ بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ مَا عُمِلَ وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ يُعْمَلْ. (٤/ ٢٠٨٨ رقم ٢٧٢٢).