← المكتبة ▭ 1 page
مدارج السالكين - ط عطاءات العلم
ابن القيم الرقائق والآداب والأذكار 751 هـ
A− A+
1135 · ص255 · ج2
والصادق الذَّكيُّ يأخذ من كلٍّ منهم ما عنده من الحقِّ فيستعين به على مطلبه، ولا يردُّ ما يجده عنده من الحقِّ بتقصيره في الحقِّ الآخر ١ ويُهدره به؛ فالكمال المطلق لله ربِّ العالمين، وما مِن العباد إلَّا مَن ٢ له مقامٌ معلومٌ. قال ٣: (الدرجة الثالثة: تجريد الانقطاع إلى السبق بتصحيح الاستقامة، والاستغراقِ في قصد الوصول، والنظر إلى أوائل الجمع). لمَّا جعل الدرجة الأولى انقطاعًا عن الخلق والثَّانيةَ انقطاعًا عن النَّفس جعل الثَّالثة لطلب السبق. وجعله بـ (تصحيح الاستقامة)، وهي الإعراض عمَّا سوى الحقِّ، ولزومُ الإقبال عليه، والاشتغالُ بمحابِّه. ثمَّ بـ (الاستغراق في قصد الوصول)، وهو أن يَشغَلَه طلبُ الوصول عن كلِّ شيءٍ بحيث يستغرق همومَه وعزائمه وإراداتِه وأوقاتَه. وإنَّما يكون ذلك بعد بدوِّ برق الكشف المذكور له. وأمَّا (النظر إلى أوائل الجمع)، فالجمع هو قيامُ الخلق كلِّهم بالحقِّ وحده، وقيامُه عليهم بالرُّبوبية والتدبير. والنظر إلى أوائل ذلك: الالتفات إلى مقدِّماته وبداياته، وهي العقبة التي ينحدر منها على وادي الفناء. وقد قيل: إنّها وقفةٌ تعترض القاطع لأودية التفرقة قبل وصوله إلى الجمع، ومنها يشرف عليه. وهذه الوقفة تعترض كلَّ طالب مُجِدٍّ في طلبه،
١ ع: «في الآخر». ٢ «من» لم ترد في ع. ٣ «المنازل» (ص ٢٥).
1136 · ص255 · ج3
المتكلِّمين في هذا العلم جعلوا المريد والمراد اثنين، وجعلوا مقام المراد فوق مقام المريد، وإنّما أشاروا باسم المراد إلى الضَّنائن الذين ورد فيهم الخبر). قلت: وجه استشهاده ١ بالآية: أنّ الله سبحانه وتعالى ألقى إلى رسوله كتابه، وخصَّه بكرامته، وأهَّلَه لرسالته ونبوّته، من غير أن يكون ذلك منه على رجاءٍ، أو نالَه بكسبٍ، أو توسَّلَ إليه بعملٍ، بل هو أمرٌ أريد به، فهو المراد على الحقيقة. وقوله: (إن أكثرهم جعلوا المريد والمراد اثنين)، فهو تعرُّضٌ إلى أنّ منهم من اكتفى عن ذكر مقام المراد بمنزلة الإرادة، لأنّ صاحبها مريدٌ مرادٌ ٢. وأمّا إشارتهم إلى الضَّنائن، فالمراد به: حديثٌ يُروى ٣ مرفوعًا إلى النّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ لله ضَنائنَ من خَلْقه: يُحيِيهم في عافيةٍ، ويُمِيتُهم في عافيةٍ» ٤. والضّنائن: الخصائص. يقال: هو ضِنَّتي من بين النّاس ــ بكسر الضّاد ــ أي
١ ش، د: «استدلاله». ٢ ش: «مرادًا». د: «أو مرادًا». ٣ ش، د: «يروى به». ٤ «ويميتهم في عافية» ليست في ش، د. والحديث أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٣٤٢٥) و «الأوسط» (٦٣٦٩)، والعقيلي في «الضعفاء الكبير» (٤/ ١٥٢)، وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ٦) من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -. وإسناده ضعيف. قال العقيلي: مسلم بن عبد الله مجهول بالنقل، حديثه غير محفوظ، والرواية في هذا الباب لينة. وضعَّفه الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٢٦٨)، والألباني في «الضعيفة» (١٢٣٩).
→ prev 1135–1136 / 2526 next ←