← المكتبة ▭▭ 2 pages
مدارج السالكين - ط عطاءات العلم
ابن القيم الرقائق والآداب والأذكار 751 هـ
A− A+
1808 · ص423 · ج3
فانظر إلى هذه الغيرة القبيحة، الدّالّة على جَهْل صاحبها، مع أنّه في خَفارة ذلِّه وتواضعه وانكساره واحتقاره لنفسه. ومن هذا ما ١ يُحكى عن الشِّبليِّ - رحمه الله -: أنّه لمّا مات ابنه دخلَ الحمّام ونوَّرَ ٢ لحيتَه، حتّى أذهب شَعرَها كلّه. فكلُّ من أتاه معزِّيًا قال: أيشٍ هذا يا أبا بكرٍ؟ قال: وافقتُ أهلي في قَطْع شعورهم. فقال له بعض أصحابه: أخبرني لمَ فعلتَ هذا؟ فقال: علمتُ أنّهم يُعزُّونني على الغفلة ويقولون: آجَرَك الله، ففديتُ ذِكرَهم لله بالغفلة بلحيتي ٣. فانظُرْ إلى هذه الغيرة المحرّمة القبيحة، التي تضمّنتْ أنواعًا من المحرّمات: حلق الشَّعر عند المصيبة، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس منّا من حلقَ وسَلقَ وخرقَ» ٤. أي حلق شعرَه، ورفع صوتَه بالنّدب والنِّياحة، وخرقَ ثيابه. ومنها: حلق اللِّحية، وقد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإعفائها وتوفيرها. ومنها: منعُ إخوانه من تعزيته ونيلِ ثوابها. ومنها: كراهيته ٥ لجريان ذكرِ اسمِ الله على ألسنتهم بالغفلة. وذلك خيرٌ بلا شكٍّ من ترْكِ ذكره.
١ «ما» ليست في د. ٢ أي طلاه بالنُّورة، وهي حجر يحرق ويُسوّى منه الكلس، ويُحلق به الشعر. ٣ «الرسالة القشيرية» (ص ٥٥١). ٤ أخرجه مسلم (١٠٤) من حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -. ٥ ت: «كراهته».
→ prev 1808 / 2526 next ←