585 · ص120 · ج1
والحاكمُ في ذلك ذوقُ العربيّة، والفقهُ فيها، واستقراءُ موارد استعمال ذلك مقدَّمًا. وسيبويه نصَّ على الاهتمام، ولم ينفِ غيره ١.
ولأنّه يقبح من القائل أن يُعتِق عشرةَ أعبد مثلًا، ثمّ يقول لأحدهم: إيّاك أعتقتُ ٢. ومن سمعه أنكر ذلك وقال: وغيرَه أيضًا أعتقتَ. ولولا فهمُ الاختصاصِ لما قبُح هذا الكلام، ولا حسُن إنكاره.
وتأمَّلْ قوله تعالى: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [البقرة: ٤٠]، {وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} [البقرة: ٤١] كيف تجده في قوّة "لا ترهبوا غيري"، و"لا تتّقوا سواي". وكذلك {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} هو في قوّة "لا نعبد غيرك، ولا نستعين بسواك". وكلُّ ذي ذوقٍ سليمٍ يفهم هذا الاختصاص من هذا السِّياق. ولا عبرة بجدل من قلَّ فقهُه، وفُتِحَ عليه بابُ الشّكِّ والتّشكيك، فهؤلاء هم آفة العلوم وبليّة الأذهان والفهوم.
مع أنّ في ضمير "إيّاك" من الإشارة إلى نفس الذّات والحقيقة ما ليس في الضّمير المتّصل. ففي: "إيّاك قصدتُ وأحببتُ" من الدِّلالة على معنى "حقيقتُك وذاتُك قصدي" ما ليس في قولك: قصدتُك، وأحببتُك. و"إيّاك أعني" فيه معنى "نفسَك وذاتَك ٣ وحقيقتَك أعني".
١ انظر: "الكتاب" (١/ ٥٦، ٨١).
٢ ع: "عتقت" هنا وفيما يأتي. وكذا كان في سائر النسخ ــ ما عدا ج ــ ثم زيدت الألف فيها.
٣ زاد بعضهم قبله في هامش الأصل: "وفيه معنى" وتحته "صح"، ومثله في المتن في ل، ج.
586 · ص120 · ج2
وحالًا ضروريَّةٌ، لا عوض لهم عنه البتَّة.
وهذا القدر هو الذي فات الزّنادقة وقطَّاع الطريق من المنتسبين إلى طريقة القوم، فإنَّهم لمَّا علموا أنَّ حقائق هذه الأوامر هي المطلوبة وأرواحَها، لا صورها وأشباحها ورسومها، قالوا: نجمع هممنا ١ على مقاصدها وحقائقها، ولا حاجة لنا إلى رسومها وظواهرها، بل الاشتغال برسومها اشتغالٌ عن الغاية بالوسيلة، وعن المطلوب لذاته بالمطلوب لغيره، وغرَّهم ما رأوا فيه الواقفين مع رسوم الأعمال وظواهرها دون مراعاة حقائقها ومقاصدها وأرواحها، فرأوا نفوسهم أشرفَ من نفوس أولئك، وهممَهم أعلى، وأنهم المشتغلون باللُّبِّ وأولئك بالقشر، فتركَّب من تقصير هؤلاء وعدوان هؤلاء تعطيلُ جملةِ الأمر؛ هؤلاء عطَّلوا سرَّه ومقصوده وحقيقته، وهؤلاء عطَّلوا رسمه وصورته وظنُّوا أنَّهم يصلون إلى حقيقته من غير رسمه وظاهره، فلم يصلوا إلَّا إلى الكفر والزندقة وجحدِ ٢ ما عُلم بالضَّرورة مجيءُ الرسول به، فهؤلاء كفَّار زنادقة منافقون، وأولئك مقصِّرون غير كاملين.
والقائمون بهذا وهذا، الذين يرون أنَّ الأمر متوجِّهٌ إلى قلوبهم قبل جوارحهم، وأنَّ على القلب عبوديَّةً في الأمر كما على الجوارح، وأنَّ تعطيل عبوديَّة القلب بمنزلة تعطيل عبوديَّة الجوارح، وأنَّ كمال العبوديَّة قيامُ كلٍّ من المَلِك وجنودِه بعبوديَّته= فهؤلاء خواصُّ أهل الإيمان وأهل العلم والعرفان.
١ م، ش: «همَّنا».
٢ ع: «وجحدوا».