595 · ص122 · ج1
فأنفعُ الدُّعاء طلبُ العون على مرضاته، وأفضلُ المواهب إسعافُه بهذا المطلوب. وجميع الأدعية المأثورة مدارها على هذا، وعلى دفع ما يضادُّه، وعلى تكميله وتيسير أسبابه، فتأمّلها.
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة - رضي الله عنه -: تأمّلتُ أنفعَ الدُّعاء، فإذا هو سؤالُ الله العَون ١ على مرضاته. ثمّ رأيته في الفاتحة في {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}.
ويقابل هؤلاء القسم الثّاني، وهم المعرضون عن عبادته والاستعانة به، فلا عبادة ولا استعانة. بل إن سأله أحدهم واستعان به فعلى حظوظه وشهواته، لا على مرضاة ربِّه وحقوقه. فإنّه سبحانه يسأله من في السّماوات والأرض، يسأله أولياؤه وأعداؤه ويُمِدُّ هؤلاء وهؤلاء. وأبغضُ خلقِه إليه ٢ عدوُّه إبليس لعنه الله، ومع هذا فسأله حاجةً فأعطاه إيّاها ومتَّعه بها. ولكن لمّا لم يكن عونًا له على مرضاته كانت زيادةً في شقاوته وبعده من الله تعالى وطرده عنه. وهكذا كلُّ من استعان به على أمرٍ أو سأله ٣ إيّاه، ولم يكن عونًا على طاعته، كان مُبعدًا له عن مرضاته قاطعًا له عنه ولا بدّ.
فليتأمَّل العاقل هذا في نفسه وفي غيره، وليعلم أنّ إجابة الله لسائليه ليست
١ ع: "سؤال العون".
٢ "إليه" ساقط من ع.
٣ ش، ع: "وسأله".
596 · ص122 · ج2
وبالجملة فصاحب هذا التجريد لا يقنع من الله بأمرٍ يسكن إليه دون الله، ولا يفرح بما حصل له دون الله، ولا يأسى على ما فاته سوى الله، ولا يستغني برتبة شريفة وإن عَظُمت عنده أو عند الناس، فلا يستغني إلا بالله، ولا يفتقر إلا إلى الله، ولا يفرح إلا بموافقته لمرضاة الله، ولا يحزن إلا على ما فاته من الله، ولا يخاف إلا من سقوطه من عين الله واحتجاب الله عنه، فكلُّه بالله، وكلُّه لله، وكلُّه مع الله، وسيره دائمًا إلى الله؛ قد رُفع له عَلَم فشمَّر إليه، وتجرَّد له مطلوبُه فعمل عليه، تناديه الحظوظ: إليَّ، وهو يقول: إنَّما أريد مَن إذا حصل لي حصل لي ١ كلُّ شيءٍ، وإذا فاتني فاتني كلُّ شيءٍ، فهو مع الله مجرَّدٌ عن خلقه، ومع خلقه مجرَّدٌ عن نفسه، ومع الأمر مجرَّدٌ عن حظِّه، أعني الحظَّ المزاحمَ للأمر، وأمّا الحظُّ المُعِين على الأمر فإنَّه لا يحطُّه تناوله عن مرتبته ولا يُسقطه من عين ربِّه.
وهذا أيضًا موضعٌ غلط فيه من غلط من الشُّيوخ وظنُّوا أن ٢ إرادة الحظِّ نقصٌ في الإرادة. والتّحقيق فيه أنَّ الحظَّ نوعان: حظٌّ يزاحم الأمر، وحظٌّ يؤازر الأمر فينفذه؛ فالأوَّل هو المذموم، والثاني ممدوح وتناوُلُه من تمام العبوديَّة، فهذا لونٌ وهذا لونٌ.
فصل
قال ٣: (وفرار خاصَّة الخاصَّة ممَّا دون الحقِّ إلى الحقِّ، ثمَّ من شهود
١ «لي» سقطت من الأصل، ل.
٢ «أن» ساقطة من جميع النسخ عدا ش، ع. ولا بد منها، وإلا لانتصب «نقص».
٣ «منازل السائرين» (ص ١٧).