757 · ص160 · ج4
فصل
قال صاحب «المنازل» ١: (باب الحياة. قال الله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} [الأنعام: ١٢٢]).
استشهاده بهذه الآية في هذا الباب ظاهرٌ جدًّا، فإنّ المراد ٢ بها: من كان ميِّتَ القلب بعدمِ روحِ العلم والهدى والإيمان، فأحياه الرّبُّ تعالى بروحٍ أخرى غير الرُّوح التي أحيا بها بدنه ٣، وهي روحُ معرفته وتوحيده ومحبّته وعبادته وحدَه لا شريك له؛ إذ لا حياة للرُّوح إلّا بذلك، وإلّا فهي في جملة الأموات، ولهذا وصفَ الله تعالى من عَدِمَ ذلك بالموت، فقال: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ}، وقال: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ} [النمل: ٨٠].
وسَمَّى وحيه روحًا، لِما يحصُل به من حياة القلوب والأرواح، فقال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: ٥٢]. فأخبر أنّه روحٌ ٤ تحصل به الحياة، ونورٌ تحصُل به الإضاءة. وقال تعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ} [النحل: ٢]، وقال تعالى: {(١٤) رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ
١ (ص ٩٥).
٢ د: «فالمراد».
٣ ش: «بدونه».
٤ ت: «نور»، خطأ.
758 · ص161 · ج1
وقال تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ ١ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ} [الفرقان: ١٧]. فسمَّاهم عبادَه مع ضلالهم، لكن تسميةً مقيّدةً بالإشارة. وأمّا المطلقة فلم تجئ إلّا لأهل الثّاني ٢، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
وقال تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [الزمر: ٤٦]. وقال: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ} [غافر: ٣١]، {إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ} [غافر: ٤٨] فهذا يتناول العبوديّةَ العامَّةَ والخاصّة.
وأمّا النّوع الثّاني، فعبوديّةُ الطَّاعةِ والمحبَّةِ واتِّباع الأوامر. قال تعالى: {يَا عِبَادِي ٣ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} [الزخرف: ٦٨]. وقال: {فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} ٤ [الزمر: ١٧ - ١٨]. وقال: {الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)} [الفرقان: ٦٣]. وقال تعالى عن إبليس: {وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر: ٣٩ - ٤٠] فقال ٥: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: ٤٢].
١ قراءة ابن كثير وحفص: "يحشرهم". "الإقناع" (ص ٧١٤).
٢ ع: "النوع الثاني". وفي هامش ش أيضًا كتب بعضهم كلمة "النوع" مع علامة صح.
٣ "عبادي" على قراءة أبي عمرو، وقد مرَّت آنفًا (ص ١٥٨).
٤ هنا أيضًا في النسخ: "عبادي" كما سبق.
٥ ما عدا الأصل، ع: "وقال".