769 · ص163 · ج4
السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} [النحل: ٦٥]، وقال في الماء: {وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ} [ق: ١١]، وقال: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً} [الفرقان: ٤٨]، وجعل هذه الحياة دليلًا على الحياة يوم المعاد. وهذه حياةٌ حقيقةٌ ١ في هذه المرتبة، مستعملةٌ في كلِّ لغةٍ، جاريةٌ على ألسن الخاصّة والعامّة، قال الشّاعر يمدح عبد المطّلب:
بشَيْبةِ الحمدِ أحيا الله بلدتَنا ... لمّا فقدْنا الحَيا واجْلَوَّذ المطرُ ٢
وهذا أكثر من أن تُذكَر شواهده.
المرتبة الثانية: حياة النُّموِّ والاغتذاء. وهذه الحياة مشتركةٌ بين النّبات والحيوان الذي يعيش بالغذاء، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: ٣٠].
وقد اختلف الفقهاء في الشُّعور: هل تحلُّها الحياة؟ على قولين ٣، والصّواب: أنّها تحلُّها حياة النُّموِّ والاغتذاء، دون حياة الحسِّ والحركة،
١ ت: «حقيقية».
٢ البيت ضمن أبيات لِرُقَيقة بنت أبي صيفي مع خبر في «طبقات ابن سعد» (١/ ٨٩، ٩٠)، و «المنمق» لابن حبيب (ص ١٤٧)، و «المعجم الكبير» للطبراني (٢٤/ ٢٥٩ - ٢٦١)، و «معرفة الصحابة» لأبي نعيم (٥/ ٢٣٣)، و «الإصابة» (١٣/ ٣٨٤) وغيرها. واجلوَّذ المطر: ذهب وامتدَّ وقتُ تأخّره وانقطاعه.
٣ انظر: «الهداية» للمرغيناني (١/ ٢١)، «المنتقى» للباجي (٣/ ١٣٧)، «المجموع للنووي» (١/ ٢٧٥)، «الإنصاف» (١/ ٩٢)، «بداية المجتهد» (١/ ٦٨).
770 · ص164 · ج1
النَّاسِ} [الحج: ١٨]. فخصَّ هنا بالسُّجود كثيرًا من النّاس، وعمَّهم بالسُّجود في سورة النّحل ١. وهو سجود الذُّلِّ والقهر والخضوع، فكلُّ أحدٍ خاضعٌ لربوبيّته، ذليلٌ لعزّته، مقهورٌ تحت سلطانه.
فصل
في مراتب {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} علمًا وعملًا
للعبوديّة مراتب بحسب العلم والعمل.
فأمّا مراتبها العلميّة، فمرتبتان:
أحدُهما: العلم بالله، والثاني ٢: العلم بدينه.
فأمّا العلم به سبحانه، فخمس مراتب: العلم بذاته، وصفاته، وأفعاله، وأسمائه، وتنزيهُه عمّا لا يليق به.
والعلم بدينه مرتبتان. أحدهما: دينه الأمريُّ الشّرعيُّ، وهو صراطه المستقيم الموصل إليه. والثاني ٣: دينه الجزائيُّ المتضمِّن ثوابه وعقابه. وقد دخل في هذا العلمُ بملائكته وكتبه ورسله.
وأمّا مراتبها العملية، فمرتبتان: مرتبةٌ لأصحاب اليمين، ومرتبةٌ
١ وهو قوله تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ}. وفي ش: "سورة الرعد"، يعني الآية المذكورة من قبل.
٢ "أحدهما ... الثاني" كذا في الأصل وغيره ما عدا ش التي فيها: "إحداهما ... الثاني"، ثم غُيِّر "الثاني" إلى "الثانية".
٣ هنا أيضًا في ش: "إحداهما ... الثاني"، ولم يغيَّر "الثاني".