851 · ص184 · ج2
والخوف يتعلّق بالأفعال، والمحبَّة تتعلّق بالذات والصِّفات، ولهذا تتضاعف محبَّة المؤمنين لربِّهم إذا دخلوا دار النعيم، ولا يلحقهم فيها خوفٌ، ولهذا كانت منزلة المحبَّة ومقامُها أعلى وأرفعَ من منزلة الخوف ومقامه.
والخوف المحمود الصادق: ما حال بين صاحبه وبين محارم الله، فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط.
قال أبو عثمان - رضي الله عنه - ١: صدق الخوف هو الورع عن الآثام ظاهرًا وباطنًا.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميَّة - رحمه الله - يقول: الخوف المحمود ما حجزك عن محارم الله.
وقال صاحب «المنازل» - رحمه الله - ٢: (الخوف هو الانخلاع من طمأنينة الأمن بمطالعة الخبر).
يعني: الخروجَ عن سكون الأمن باستحضار ما أخبر الله به من الوعد والوعيد.
قال: (وهو على ثلاث درجاتٍ، الدرجة الأولى: الخوف من العقوبة، وهو الخوف الذي يصحُّ به الإيمان، وهو خوف العامَّة، وهو يتولَّد من تصديق الوعيد، وذكر الجناية، ومراقبة العاقبة).
الخوف مسبوقٌ بالشُّعور والعلم، فمُحالٌ خوف الإنسان ممَّا لا شعور له
١ الحِيري، أسنده عنه القشيري (ص ٣٥٢).
٢ (ص ٢٠).
852 · ص184 · ج3
فصل
ومن منازل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}: منزلة الأنس بالله.
قال صاحب «المنازل» - رحمه الله - ١: (وهو روحُ القُرب). ولهذا صدَّر منزلته بقوله تعالى: {(١٨٥) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: ١٨٦].
فاستحضارُ القلب هذا البرَّ واللُّطف والإحسانَ يُوجِب قربَه من الرّبِّ تعالى، وقربُه منه يوجب له الأنسَ، والأنسُ ثمرة الطّاعة والمحبّة. فكلُّ مطيعٍ مستأنسٌ، وكلُّ عاصٍ مستوحشٌ، كما قيل ٢:
فإن كنتَ قد أوحشَتْك الذُّنوب ... فدَعْها إذا شئتَ واستأنس
والقرب يوجب الأنس والهيبة والمحبّة.
قال صاحب «المنازل» - رحمه الله - ٣: (وهو على ثلاث درجاتٍ، الدّرجة الأولى: الأنس بالشّواهد، وهو استحلاء ٤ الذِّكر، والتّغذِّي بالسّماع، والوقوف على الإشارات).
هذه اللّفظة يُجرونَها ٥ في كلامهم ــ أعني لفظة «الشّواهد» ــ ومرادهم
١ (ص ٥٤).
٢ أنشده المؤلف في «الداء والدواء» (ص ١٣٣، ١٨٣). وانظر تعليق المحقق عليه.
٣ (ص ٥٤).
٤ ل: «استجلاء».
٥ ش: «بحروفها»، تحريف.