925 · ص202 · ج4
فإذا ذكر ذنوبه تنفَّس بالخوف، وإذا ذكر رحمة ربِّه وسعةَ مغفرته وعفوه تنفّس بالرّجاء، وإذا ذكر جلاله وجماله وكماله وإحسانه وإنعامه تنفّس بالحبِّ.
فلْيزِن العبد إيمانَه بهذه الأنفاس الثّلاثة، ليعلم ما معه من الإيمان، فالقلوب مفطورةٌ على حبِّ الجمال والإجمال، والله سبحانه جميلٌ، بل له الجمال التّامُّ الكامل من جميع الوجوه: جمال الذّات، وجمال الصِّفات، وجمال الأفعال، وجمال الأسماء. وإذا جُمِع جمال المخلوقات كلّها على شخصٍ واحدٍ، ثمّ كانت جميعها على جمال ذلك الشّخص الواحد، ثمّ نُسِب هذا الجمال إلى جمال الرّبِّ سبحانه= كان أقلَّ من نسبة سراجٍ ضعيفٍ إلى عين الشّمس.
فالنّفس الصّادر عن هذه الملاحظة والمطالعة أشرفُ أنفاس العبد على الإطلاق، فأين نفس المشتاق المحبِّ الصّادق إلى نفس الخائف الرّاجي؟ ولكن لا يحصل له هذا النّفس إلّا بتحصيل ذينك النّفسينِ، فإنّ أحدهما ثمرة تركه للمخالفات، والثّاني: ثمرة فعله للطّاعات، فمن هذين النّفسينِ يصل إلى النّفس الثّالث.
فصل
قال ١: (الحياة الثّانية: حياة الجمع من موت التّفرقة، ولها ثلاثة أنفاسٍ: نفس الاضطرار، ونفس الافتقار، ونفس الافتخار).
مراده ــ إن شاء الله ــ بالجمع في هذه الدّرجة: جمعُ القلب على الله،
١ «المنازل» (ص ٩٥).
926 · ص203 · ج1
يريد أنّه ينقاد إلى العلم ليتهذَّب به ويصلُح به، ويقصد إجابة داعي الحكم الدِّينيِّ الأمريِّ كلَّما دعاه، فإنّ للحكم في كلِّ مسألةٍ من مسائل العلم مناديًا ينادي للإيمان بها علمًا وعملًا، فيقصد إجابة داعيها. ولكنَّ مراده بدواعي الحكم: الأسرار والحِكَم الدّاعية إلى شرع الحكم، فإجابتها قدرٌ زائدٌ على مجرّد الامتثال، فإنّها تدعو إلى المحبّة والإجلال والمعرفة والحمد. فالأمر ١ يدعو إلى الامتثال، وما تضمَّنه من الحِكَم والغايات تدعو إلى المعرفة والمحبّة.
وقوله: (وقصدُ اقتحامِ بحرِ الفناء)، هذا هو الغاية المطلوبة عند القوم. وهو عند بعضهم من لوازم الطّريق وليس بغايةٍ، وعند آخرين عارضٌ من عوارض الطّريق، ليس بغايةٍ، ولا هو لازمٌ لكلِّ سالكٍ. وأهلُ القوّة والعزم لا يعرض لهم، وحالُ البقاء أكمل منه، ولهذا كان البقاء حال نبيِّنا ليلةَ الإسراء، وقد رأى ما رأى؛ وحالُ موسى الفناء، ولهذا خرَّ صَعِقًا عند تجلِّي الله للجبل ٢. وامرأةُ العزيز كانت أكمل حبًّا ليوسف من النِّسوة، ولم يعرض لها ما عرض لهنّ عند رؤيته لفنائهنّ وبقائها ٣. وسيأتي إن شاء الله تحقيقُ الكلام فيه.
فصل
فإذا استحكم قصدُه صار عزمًا جازمًا، مستلزمًا ٤ للشُّروع في السّفر،
١ ل، ج: "والأمر".
٢ انظر: "الجواب الصحيح" (٤/ ١٢) وكتابنا هذا (٣/ ٣٥٧، ٤٧٢، ٥٠٣).
٣ وانظر هذا المعنى أيضًا في "طريق الهجرتين" (٢/ ٧٠٣ - ٧٠٤).
٤ "مستلزمًا" ساقط من ش.