← المكتبة ▭ 1 page
مدارج السالكين - ط عطاءات العلم
ابن القيم الرقائق والآداب والأذكار 751 هـ
A− A+
753 · ص159 · ج4
وجَدَلِ ١ المتكلِّمين، وخيالاتِ المتصوِّفين. قوله: (وتَجذِبُ القلوبَ إلى فِناء الحضرة)، هو بكسر الفاء؛ أي جانب الحضرة، يعني: أنّ الأرواح لقوّة طلبها وشدّةِ شوقها تَسُوقُ القلوب وتجذبها إلى هناك، فإنّ طلب الرُّوح وسيرها أقوى من طلب القلب وسيرِه، كما كانت معاينتها أتمَّ من معاينته. وبالجملة، فأحكام الرُّوح عندهم فوق أحكام القلب وأخصُّ منها. والمقصود: أنّ الرُّوح متى عاينت الحقَّ جذَبتِ القوى كلَّها والقلبَ إلى حضرته، فينقاد معها انقيادًا بلا استعصاءٍ، بخلاف جَذْب القلب، فإنّ الجوارح قد تستعصي عليه بعض الاستعصاء، وتأبى شيئًا من الإباء. وأمّا جذْبُ الرُّوح فلا استعصاء معه ولا إباء، وبالله التّوفيق. * * * *
١ ر: «وجدال».
754 · ص160 · ج1
وصارت عبوديّةُ أهل الثَّواب تسبيحًا مقرونًا بأنفاسهم، لا يجدون له تعبًا ولا نصبًا. ومن ظنَّ أنّه يصل إلى مقامٍ يُسقِط عنه التّعبُّدَ، فهو زنديقٌ كافرٌ بالله ورسوله، وإنّما وصل إلى مقام الكفر بالله تعالى والانسلاخ من دينه. وكلَّما تمكَّن العبدُ في منازل العبوديّة كانت عبوديّتُه أعظم، والواجبُ عليه منها أكثر من الواجب على من دونه. ولهذا كان الواجبُ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل على الرُّسل أعظمَ من الواجب على أممهم، والواجبُ على أولي العلم أعظمَ من الواجب على من دونهم، وكلُّ أحدٍ بحسب مرتبته. فصل في انقسام العبوديّة إلى عامّةٍ وخاصّةٍ العبوديّة نوعان: عامٌّ، وخاصٌّ. فالعبوديّة العامّة: عبوديّة أهل السّماوات والأرض كلِّهم لله: برِّهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم. فهذه عبوديّة القهر والملك، قال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَنْفَطِرْنَ ١ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: ٨٨ - ٩٣]. فهذا يدخل فيه ٢ مؤمنهم وكافرهم.
١ هذه قراءة أبي عمرو وابن عامر وحمزة. وقرأ الباقون: "يتفطَّرن". انظر: "الإقناع" لابن الباذش (ص ٦٩٧). ٢ "فيه" ساقط من ش.
→ prev 753–754 / 2526 next ←