463 · ص463
وفي حرف ابن مسعود: (ما يمسه) ١، وهذا يقوي ما رجحته من الخبر الذي معناه: حقّه وقدره أن لا يمسه إلا طاهر". اهـ ٢
وقال السمينُ الحلبيّ: "قوله: {لَا يَمَسُّهُ}: في {لا} هذه وجهان، أحدهما: أنها نافيةٌ فالضمةُ في {لَا يَمَسُّهُ} ضمةُ إعرابٍ، وعلى هذا القولِ ففي الجملةِ وجهان، أحدهما: أنَّ محلَّها الجرُّ صفةً لـ {كِتَاب} والمرادُ بـ {كِتَاب}: إمَّا اللوحُ المحفوظُ، و {الْمُطَهَّرُونَ} حينئذٍ الملائكةُ، أو المرادُ به المصاحف، والمرادُ بالمُطهَّرين المكلَّفون كلُّهم.
والثاني: أن محلَّها الرفعُ صفةً لقرآنِ، والمرادُ بالمطهَّرينِ الملائكةُ فقط أي: لا يَطَّلع عليه أو لا يَمَسُّ لَوْحَه. لا بُدَّ من أحد هَذَيْن التجوُّزَيْن؛ لأن نسبةَ المسِّ إلى المعاني حقيقةً متعذَّرٌ.
ويؤيِّد كونَ هذه نفياً قراءةُ عبد الله: (ما يَمَسُّه) بـ (ما) النافيةِ.
والثاني من الوجهين الأوَّلَيْن: أنها ناهيةٌ، والفعلُ بعدها مجزومٌ؛ لأنه لو فُكَّ عن الإِدغامِ لظهر ذلك فيه كقولِه: {لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} [آل عمران: ١٧٤] ولكنه أَدْغم، ولَمَّا أُدْغِمَ حُرِّك آخرُه بالضمِّ لأجلِ هاء ضميرِ المذكرِ الغائب".
ثم قال السمين: "وبهذا الذي ذكرْتُه يظهر فسادُ رَدِّ مَنْ رَدَّ: بأنَّ هذا لو كان نَهْياً لكان يُقال: (لا يَمَسَّه) بالفتح؛ لأنه خَفي عليه جوازُ ضَمِّ ما قبل الهاءِ في هذا النحوِ، لا سيما على رأيِ سيبويه فإنه لا يُجيز غيرَه ٣.
١ قراءة الجماعة: (لا يمسُّه)، وقرأ ابنُ مسعود: (ما يمسُّه). ينظر: تفسير الطبري (٢٣: ١٥٢)، الهداية إلى بلوغ النهاية، لمكي بن أبي طالب (١١: ٧٢٩٢)، المحرر الوجيز (٥: ٢٥٢)، تفسير أبي حيان (١٠: ٩٣)، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، للسيوطي (٨: ٢٦).
٢ المحرر الوجيز (٥: ٢٥٢).
٣ ينظر: الكتاب، لسيبويه (٢: ٢٦٥).
464 · ص464
وقد ضَعَّفَ ابنُ عطية كونَه نهياً: بأنه إذا كان خبراً فهو في موضعِ الصفةِ، وقولُه بعد ذلك: {تَنْزِيلٌ} صفةٌ، فإذا جعلناه نَهْياً كان أجنبياً معترضاً بين الصفاتِ وذلك لا يَحْسُن في رَصْفِ الكلامِ، فتدبَّرْه، وفي حرف ابن مسعود: (ما يمسُّه) " انتهى.
وليس فيما ذكرَه ضَعْفٌ لهذا القول؛ لأنَّا لا نُسَلِّم أنَّ {تَنْزِيلٌ} صفةٌ، بل هو خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو تنزيلٌ؛ فلا يَلْزَم ما ذَكرَه من الاعتراضِ، ولَئِنْ سَلَّمْنَا أنه صفةٌ ... فـ {لَا يَمَسُّهُ} صفةٌ أيضاً، فيُعْترض علينا: بأنه طلبٌ، فيُجاب: بأنه على إضمارِ القولِ أي: مقولٌ فيه: لا يمسُّه". اهـ ١
دراسة الاستدراك:
استبعدَ ابنُ عطية أن يكون قوله: {لَا يَمَسُّهُ} نهي، بينما لم يوافقه السمين في تضعيف هذا القول، ودافع عنه ووجّهه.
وهذه المسألة فيها تفصيل، وهي عبارة عن مسائل متداخلة ومرتبطة ببعضها البعض.
القول الأول في هذه المسألة، وهو قول الجمهور: أنّ {لَا يَمَسُّهُ} نفي، والضمير عائد على الكتاب الذي في السماء، والمطهرون هم الملائكة ٢.
١ الدر المصون (١٠: ٢٢٤).
٢ ينظر: معاني القرآن وإعرابه، للزجاج (٥: ١١٦)، تفسير القرآن العزيز، لابن أبي زمنين (٤: ٣٤٤)، التفسير الوسيط، للواحدي (٤: ٢٣٩)، تفسير السمعاني (٥: ٣٥٩)، المحرر الوجيز (٥: ٢٥٢)، البيان في إعراب غريب القرآن، للأنباري (٢: ٣٤٨)، تفسير الفخر الرازي (٢٩: ٤٣٢)، التبيان في إعراب القرآن، لأبي البقاء (٢: ١٢٠٦)، تفسير البيضاوي (٥: ١٨٣)، تفسير ابن جزي (٢: ٣٣٩)، مدارج السالكين، لابن القيم (٢: ٣٩٠)، فتح القدير، للشوكاني (٥: ١٩٣)، التحرير والتنوير، لابن عاشور (٢٧: ٣٣٤)، تفسير العثيمين: الحجرات - الحديد (١: ٣٤٨)، التفسير المنير للزحيلي (٢٧: ٢٧٥).