487 · ص487
دراسة الاستدراك:
ذكر بعضُ أهل التفسير وعلوم القرآن قاعدةً في ورود لفظتي (الريح) و (الرياح) في القرآن؛ فقالوا بأنّ هذه اللفظة تأتي مفردة مع العذاب، ومجموعة مع الرحمة، وتلك قاعدة أغلبية ١.
وممن قال بذلك: ابنُ عطية؛ حيث قال: " (الرِّياح) جمع ريح، وجاءت في القرآن مجموعة مع الرحمة، مفردة مع العذاب، إلا في يونس في قوله - تعالى-: {وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} [يونس: ٢٢]، وهذا أغلب وقوعها في الكلام". اهـ ٢
واحتج ابنُ عطية وغيرُه بحديث: (اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا)، وهذا الاحتجاج لا يصح، لعدم ثبوت هذا الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم-.
أمّا السمين فلم يوافق ابنَ عطية فيما ذهب إليه، رادًّا عليه باختلاف القراء في أحد عشرَ موضعًا، وتلك مِن أوجه عناية السمين بالقراءات، حيث يحتج بها لردِّ بعض الأقوال أو تأييدها.
ثم قال السمين: "وإنما الذي يقال: إنَّ الجمعَ لم يأتِ مع العذابِ أصلاً؛ وأمَّا المفردُ فجاءَ فيهما، ولذلك اختصَّها - عليه السلام- في دعائِه بصيغةِ الجمعِ". اهـ ٣
وفي هذه المسألة تفصيل، وهناك بعضُ مناقشةٍ لكلام كلٍّ مِن ابن عطية والسمين.
١ ينظر: تفسير السمرقندي (١: ١١٠)، تفسير ابن فورك (١: ١٩٩)، تفسير الماوردي (٤: ٣١٩)، تفسير القرطبي (٢: ١٩٨)، البرهان في علوم القرآن، للزركشي (٤: ٩).
٢ المحرر الوجيز (١: ٢٣٣).
٣ الدر المصون (٢: ٢٠٧).
488 · ص488
أولاً: الفرق بين (الريح) و (الرياح):
(الريح) بالإفراد على إرادة الجنس، وبالجمع (الرياح) لأنها مختلفة المجاري والمنافع.
فيُقال في الرحمة (رياح)؛ لتعددها، فهي الجنوب، والشمال، والصَّبا، أمّا ريح العذاب فهي واحدة شديدة ملتئمة الأجزاء كأنها جسم واحد ١.
قال القرطبي: "مَن وَحَّد الرِّيحَ فلأنّه اسمٌ للجنس يدل على القليل والكثير، ومَن جمعَ فلاختلاف الجهات تَهُبُّ منها الرياح". اهـ ٢
وقال ابنُ القيم: "يخبر الله -سُبحانه- عَن ريَاح الرحمة بصيغة الجمع لاختلاف منافعها وما يحدث منها؛ فريح تثير السَّحاب، وريح تلقحه، وريح تحمله على متونها، وريح تغذى النَّبات، ولماّ كانت الرِّياح مختلفة في مهابها وطبائعها جعل لكل ريح ريحًا مقابلتها تكسر سورتها وحِدَّتها، وَيبقى لينها ورحمتها، فرياح الرحمة مُتعدِّدة.
وأمّا ريح العذاب فإنه ريح واحدة ترسل من وجه واحد لإهلاك ما ترسل بإهلاكه، فلا تقوم لها ريح أخرى تقابلها وتكسر سَوْرَتهَا وتدفع حدَّتها، بل تكون كالجيش العظيم الذي لا يقاومه شيء؛ يدمر كل ما أتى عليه". اهـ ٣
١ ينظر: معاني القرآن، للنحاس (٥: ٣٤)، الحجة في القراءات السبع، لابن خالويه (ص: ٩١)، تفسير ابن فورك (١: ١٩٩)، المحرر الوجيز (١: ٢٣٣)، الفريد في إعراب القرآن المجيد، للمنتجب الهمذاني (١: ٤٢٤)، إبراز المعاني من حرز الأماني، لأبي شامة (ص: ٣٤٨)، تفسير القرطبي (٢: ١٩٨)، تفسير أبي حيان (٢: ٨٢).
٢ تفسير القرطبي (٢: ١٩٨).
٣ مفتاح دار السعادة (١: ٢٠١).