← المكتبة ▭ 1 page
تفسير الطبري جامع البيان - ط دار التربية والتراث
أبو جعفر ابن جرير الطبري التفسير 310 هـ
A− A+
2191 · ص95 · ج24
قال: مستقيد ماؤها لهم يفجرونها حيث شاءوا. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان (يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) قال: يصرفونها حيث شاءوا. القول في تأويل قوله جل ثناؤه: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا (٩) } . يقول تعالى ذكره: إن الأبرار الذين يشربون من كأس كان مزاجها كافورا، برّوا بوفائهم لله بالنذور التي كانوا ينذرونها في طاعة الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ) قال: إذا نذروا في حق الله. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ) قال: كانوا ينذرون طاعة الله من الصلاة والزكاة، والحجّ والعمرة، وما افترض عليهم، فسماهم الله بذلك الأبرار، فقال: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا) . حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ) قال: بطاعة الله، وبالصلاة، وبالحجّ، وبالعمرة. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، قوله: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ) قال: في غير معصية، وفي الكلام محذوف اجتزئ بدلالة الكلام عليه منه، وهو كان ذلك. وذلك أن معنى الكلام: إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا، كانوا يوفون بالنذر، فترك ذكر كانوا لدلالة الكلام عليها، والنذر: هو كلّ ما أوجبه الإنسان على نفسه من فعل؛ ومنه قول عنترة:
2192 · ص96 · ج1
تُرِيكَ -إذَا دَخَلْتَ على خَلاء، ... وَقَدْ أمِنَت عُيُونَ الكاشِحِينا- (١) ذِرَاعَىْ عَيْطَلٍ، أدْماءَ، بِكْرٍ، ... هِجَانِ الّلوْن، لَمْ تَقْرَأ جَنِينا (٢) يعني بقوله: "لم تقرأ جنينًا"، لم تضمُمْ رحمًا على ولد. ١١٩- وذلك أن بشر بن مُعاذ العَقَديّ حدثنا قال: حدثنا يزيد بن زُرَيْع قال: حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادةَ في قوله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} يقول: حفظه وتأليفه، {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} اتَّبع حلاله، واجتنب حرامه. ١٢٠- حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا محمد بن ثور، قال: حدثنا معمر، عن قتادة بمثله. (٣) فرأى قتادة أن تأويلَ "القرآن": التأليفُ. قال أبو جعفر: ولكلا القولين -أعنى قولَ ابن عباس وقول قتادة- اللذين حكيناهما، وجهٌ صحيح في كلام العرب. غيرَ أنّ أولى قولَيْهما بتأويل قول الله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} قول ابن عباس. لأن الله جلّ ثناؤه أمر نبيه في غير آيةٍ من تنزيله باتباع ما أوحى إليه، ولم يرخِّص له في ترك اتباع شيء من أمره إلى وقتِ تأليفِه القرآنَ له. فكذلك قوله: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} نظير سائر ما في آي القرآن التي أمره الله فيها باتباع ما أوحى إليه في تنزيله.
(١) من معلقته المشهورة. والضمير في قوله: "تريك" إلى أم عمرو صاحبته. والكاشح: العدو المضمر العداوة، المعرض عنك بكشحه. وقوله: "على خلاء"، أي على غرة وهي خالية متبذلة. (٢) العيطل: الناقة الطويلة العنق في حسن منظر وسمن. والأدماء: البيضاء مع سواد المقلتين، وخير الإبل الأدم، والعرب تقول: "قريش الإبل أدمها وصهبها"، يعنون أنها في الإبل كقريش في الناس فضلا. ووصفها بأنها بكر، لأن ذلك أحسن لها، وهي في عهدها ذلك ألين وأسمن. وهجان اللون: بيضاء كريمة. وسيأتي هذا البيت الثاني في تفسير الطبري ٢٩: ١١٨ "بولاق". (٣) الأثر ١١٩، ١٢٠- سيأتي بإسناديه في تفسير سورة القيامة.
→ prev 2191–2192 / 14577 next ←