199 · ص153 · ج2
الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عمن صام الدهر، فقال: «لا صام ولا أفطر» ١، وفي لفظ: «لا صام من صام الأبد» ٢. فإذا كان هذا حال صيام الدهر فكيف يكون أفضلَ الصيام؟
الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبت عنه في «الصحيحين» ٣ أنه قال: «أفضل الصيام صيام داود». وفي لفظ: «لا أفضل من صوم داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا» ٤.
فهذا النص الصحيح الصريح الرافع لكل إشكال يُبَيِّن أن صوم يوم وفطر يوم أفضلُ من سرد الصوم، مع أنه أكثر عملًا. وهذا يدل على أنه مكروه، لأنه إذا كان الفطر أفضل منه لم يمكن أن يقال بإباحته واستواء طرفيه، فإن العبادة لا تكون مستوية ٥ الطرفين، ولا يمكن أن يقال: هو أفضل من الفطر، لشهادة النص له بالإبطال، فتعين أن يكون مرجوحًا، وهذا بيِّن لكل منصف. ولله الحمد.
٣٦ - كيف كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصوم
٢٥٢/ ٢٣٢٤ - عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصوم حتى نقول: لا يُفطِر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
١. أخرجه مسلم (١١٦٢) من حديث أبي قتادة - رضي الله عنه -.
٢. أخرجه البخاري (١٩٧٧) ومسلم (١١٥٩/ ١٨٦) من حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما -.
٣. البخاري (١٩٧٦، ٥٠٥٢)، ومسلم (١١٥٩/ ١٩٢).
٤. أخرجه البخاري (١٩٧٦)، ومسلم (١١٥٩/ ١٨١) بلفظ: «لا أفضل من ذلك».
٥. في الأصل: «مستوفية»، والمثبت من الطبعتين.
200 · ص154 · ج2
استكمل صيام شهر قطُّ إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثرَ صيامًا منه في شعبان».
وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي ١.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وفي صومه شعبان أكثر من غيره ثلاث معان ٢:
أحدها: أنه كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، فربما شغل عن الصيام أشهرًا، فجمع ذلك في شعبان، ليدركه قبل صيام الفرض.
الثاني: أنه فعل ذلك تعظيمًا لرمضان، وهذا الصوم يشبه [سنة] ٣ فرض الصلاة قبلها تعظيمًا لحقها.
الثالث: أنه شهر تُرفَع فيه الأعمال، فأحبَّ - صلى الله عليه وسلم - أن يرفع عمله وهو صائم ٤.
٣٧ - في صوم الاثنين والخميس
٢٥٣/ ٢٣٢٦ - عن مولى قدامة بن مَظعون، عن مولى أسامة بن زيد أنه انطلق مع أسامة إلى وادي القُرى في طلب مالٍ له، فكان يصوم الاثنين والخميس، فقال له مولاه: لِمَ تصوم يوم الاثنين ويوم الخميس، وأنت شيخ كبير؟ فقال: إن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس، وسُئل عن ذلك؟ فقال: «إنَّ
١. أبو داود (٢٤٣٤)، والبخاري (١٩٦٩)، ومسلم (١١٥٦)، والنسائي (٢١٧٧).
٢. كذا في الأصل، والوجه: «ثلاثة معان»، وهذه المعاني قد ذكرها المنذري باختصار، فهذّبها المؤلف على طريقته في التحرير والترتيب. انظر: «المختصر» (٣/ ٣١٨).
٣. ضبّب ناسخ الأصل على كلمة «فرض» وكتب في الهامش: «لعله: سنة».
٤. روي ذلك من حديث أسامة بن زيد - رضي الله عنهما -. أخرجه أحمد (٢١٧٥٣)، والنسائي (٢٣٥٧)، وحسَّنه المنذري (كما سيأتي)، واختاره الضياء (٤/ ١٠٨، ١٠٩). وانظر: «الصحيحة» للألباني (١٨٩٨).