249 · ص12 · ج5
وصدقة بن يزيد هذا، قال فيه ابن حبان: "كان ممن يحدّث عن الثقات بالأشياء المعضلات على قلّة روايته، لا يجوز الاشتغال بحديثه عند الاحتجاج به". "المجروحين" (٤٩١).
قلت: وهذا الحديث يخالف أيضًا ما أجمعوا عليه بأنّ الحجّ لا يجب في العمر إلّا مرة واحدة، وقد حذّر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي هريرة، لما قال له رجل: أكلّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتي قالها ثلاثًا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لو قلتُ نعم لوجبتْ ولما استطعتم".
إذا كيف يكون من لم يحج بعد كلّ خمس سنوات محرومًا -أي من رحمة الله- فتأمّل.
وقد حكم بعض أهل العلم بأنه موضوع وكذب لا تجوز روايته.
وقال ابن العربي في شرح الموطأ: "إنه حديث باطل، والإجماع صاد في وجوههم" انظر "القبس" (٢/ ٥٣٩).
٢ - باب ما جاء في استحباب لزوم المرأة بيتها بعد قضاء فرض الحج ّ
• عن أبي واقد اللّيثيّ، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لأزواجه في حجّة الوداع: "هذه، ثم ظهور الْحُصُر".
حسن: رواه أبو داود (١٧٢٢) عن النُّفيليّ، حدّثنا عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن ابن لأبي واقد اللّيثيّ، عن أبيه، فذكره.
وإسناده حسن من أجل ابن أبي واقد، واسمه واقد كما سمّاه الإمام أحمد (٢١٩٠٥) في روايته عن سعيد بن منصور، حدّثنا عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن واقد بن أبي واقد اللّيثيّ، عن أبيه، فذكر مثله.
وواقد هذا مختلف فيه، فرجّح الحافظ ابن حجر أن تكون له صحبة تبعًا لذكر ابن منده له في "الصحابة"، ونقل عن أبي داود أيضًا بأن له صحبة، فلم يصب من قال فيه "مجهول".
• عن أبي هريرة، أنّ رسول الله لما حجّ بنسائه قال: "إنّما هذه الحجّة، ثم الْزمن ظهور الحصُر".
حسن: رواه أحمد (٩٧٦٥)، وأبو يعلى (٧١٥٨)، والطيالسي (١٧٥٢)، والبيهقي (٥/ ٢٢٨) كلّهم من طريق ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، فذكره.
وزاد الأخيران: "فكن يحججن إلّا سودة بنت زمعة، وزينب بنت جحش، فإنهما كانتا تقولان: والله لا تحركنا دابة بعد أن سمعنا من رسول الله".
وهذه الزّيادة رواها أيضًا أحمد (٢٦٧٥١) من أوجه أخرى عن ابن أبي ذئب، به. ورواه البزار -كشف الأستار (١٠٥٧) - من طريق سفيان الثوريّ، عن صالح مولى التوأمة، به.
قال البزار: "أحسبه عن سفيان، عن ابن أبي ذئب، عن صالح؛ ولكن هكذا قال قبيصة. ورواه
250 · ص12 · ج6
غيرهم، فدعا بهم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فجزّأهم أثلاثا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة، وقال له قولا شديدا.
صحيح: رواه مسلم في البيوع (١٦٦٨) من طرق عن إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين فذكره.
وقوله: "وقال له قولا شديدا" هو كما جاء في السنن: "لو شهدته قبل أن يُدفن لم يقبر في مقابر المسلمين".
• عن أبي هريرة أن رجلا كان له ستة أعبد، فأعتقهم عند موته، فأقرع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بينهم، فأعتق منهم اثنين، وأرق أربعة.
صحيح: رواه ابن أبي شيبة (٢٣٨٤٧، ٣٧٢٣٩) عن عبيد اللَّه بن موسى، عن إسرائيل، عن عبد اللَّه بن المختار، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده صحيح، وعبد اللَّه بن المختار ثقة، وثقه ابن معين، والنسائي، وغيرهما. وقال أبو حاتم: "لا بأس به".
وفي الباب ما روي عن أبي سعيد الخدري أن رجلا في عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أعتق ستة مملوكين، لم يكن له مال غيرهم، ومات الرجل، فبلغ ذلك النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة.
رواه البزار -كشف الأستار- (١٣٩٦) عن بشر بن خالد العسكري، ثنا يزيد بن هارون، ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد فذكره.
قال البزار: "رواه غير يزيد عن سعيد بن المسيب مرسلا، ووصله يزيد مرة بغداد".
قلت: وفيه علي بن زيد، وهو ابن جدعان ضعيف.
ورواه البيهقي (١٠/ ٢٨٦) من طريق ابن جريج، أخبرني قيس بن سعد، أنه سمع مكحولا يقول: سمعت سعيد بن المسيب يقول: "أعتقت أمرأة أو رجل ستة أعبد لها. . .، فذكر نحوه.
وكذلك لا يصح ما روي عن أبي أمامة، رواه الدارقطني (٤/ ٢٣٤).
ذهب إلى هذه الأحاديث والآثار جمهور أهل العلم: مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وجماعة من أهل الحديث والأثر.
وقال أبو حنيفة وأصحابه فيمن أعتق عبيدا له في مرضه، ولا مال له غيرهم، أنه يعتق من كل واحد منهم ثلثه، ويسعى في ثلثي قيمته الورثة، وقال: حكمه ما دام يسعى حكم المكاتب.
وقال أبو يوسف، ومحمد: هم أحرار، وثلثا قيمتهم دين عليهم، يسعون في ذلك حتى يؤدوه إلى الورثة.
انظر للمزيد "التمهيد" (٢٣/ ٤٢١)، فقد بسط الكلام عليه.