489 · ص32 · ج12
قلت: إن كان له أصل فيحسن حديثه وهذا منها.
• عن بريدة، عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه نهى عن لبستين، وعن مجلسين، أما اللبستان فتصلي في السراويل ليس عليك شيء غيره، والرجل يصلي في الثوب الواحد لا يتوشح به، والمجلس: أن يحتبي بالثوب الواحد فتبصر عورته، ويجلس بين الظل والشمس.
حسن: رواه أبو داود (٦٣٦)، وابن أبي شيبة (٢٥٧٢٨) واللفظ له، والحاكم (٤/ ٢٧٢) كلهم من حديث أبي المنيب عبيد اللَّه العتكي، عن عبيد اللَّه بن بريدة، عن أبيه، فذكره.
وإسناده حسن من أجل أبي المنيب فقد تكلم فيه البخاري، ووثّقه النسائي فهو لابأس به إذا كان لحديثه أصل، ولم يقل فيه الحاكم شيئًا، ولكن قال الذهبي: أبو المنيب قوّاه أبو حاتم واحتج به النسائي.
٢٩ - باب النهي عن إسبال الإزار أسفل من الكعبين
• عن أبي هريرة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار".
صحيح: رواه البخاريّ في اللباس (٥٧٨٧) عن آدم، عن شعبة، حدّثنا سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فذكره.
ظاهر هذا الحديث أن الموضع الذي يناله الإزار من أسفل الكعبين يكون في النار. وتأوّل بعض أهل العلم بأن معناه أن عمله هذا عمل أهل النار وهم الكفار لأن من عادتهم جر الإزار افتخارًا.
وقال بعض أهل العلم بأنه محمول على قيد خيلاء؛ لأنه ورد فيه الوعيد بالاتفاق كما هو في الباب الذي يليه.
قال ابن عبد البر: "مفهومه أن الجر لغير الخيلاء، لا يلحقه الوعيد إلا أن جرّ القميص وغيره من الثياب مذموم على كل حال".
وقال النووي: لا يجوز الإسبال تحت الكعبين لخيلاء فإن كان لغيرها فهو مكروه. انظر للمزيد: الفتح (١٠/ ٢٦٣).
• عن ابن عمر قال: مررت على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وفي إزاري استرخاء، فقال: "يا عبد اللَّه، ارفع إزارك"، فرفعته، ثم قال: "زد"، فزدت، فما زلت أتحراها بعد، فقال بعض القوم: إلى أين؟ فقال: أنصاف الساقين.
صحيح: رواه مسلم في اللباس (٢٠٨٦) عن أبي الطاهر، حدّثنا ابن وهب، أخبرني عمر بن محمد، عن عبد اللَّه بن واقد، عن ابن عمر، فذكره.
• عن ابن عمر قال: كساني رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حلة من حلل السيراء، أهداها له فيروز، فلبست الإزار، فأغرقني طولا وعرضا، فسحبته، ولبست الرداء، فتقنعت به، فأخذ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعاتقي فقال: "يا عبد اللَّه، ارفع الإزار، فإن ما مست الأرض من
490 · ص33 · ج1
وقد وقفتُ على قصة تدلُّ على ذلك وهي ما وقعتُ بين مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح، وبين شيخه محمد بن يحيى الذهلي: أن مرويات شيخه كانت عند مسلم مكتوبة.
قال طاهر بن أحمد: "سألتُ مكّي بنَ عبدان لِمَ تركَ مسلمٌ حديثَ محمد بن يحيى؟ فقال: وافى داود الأصبهاني نيسابور أيام إسحاق بن إبراهيم الحنظلي فعقدوا له مجلس النظر، وحضر مجلسه يحيى بن محمد بن يحيى ومسلم بن الحجاج، فجرتْ لهم مسألةٌ تكلم فيها يحيى بن محمد بن يحيى، فزبره داود، وقال: اسكتْ يا صبي، ولم ينصره مسلمٌ، فرجع إلى أبيه، وشكا إليه داود، فقال محمد ابن يحيى: ومن كان في المجلس؟ قال: مسلم بن الحجاج، ولم ينصرني. قال: قد رجعتُ عن كل ما حدَّثتُه به. قال: فبلغَ مسلمًا قولُ محمد بن يحيى هذا، فجمعَ ما كتبَ عنه، وجعله في زنبيل، وحمله إلى داره، وقال: لا أروي عنك أبدا" ١.
وفي رواية: "ثم بعثَ إليه بما كتب عنه على ظهرِ جمال" ٢.
وكان المنهج السائد في تدوين الحديث في عصرهم وكذا قبلهم وبعدهم السماع أولًا من المؤلف، أو بإسناد متصل عن المصنف، إلا أنهم لا يذكرونه أثناء التأليف أسماء الكتب.
وأوضح مثال على ذلك أن الإمام البخاري روي أحاديث "موطأ الإمام مالك" المرفوعة الصحيحة، عن شيخه عبد اللَّه بن يوسف التنّيسي، عن مالك، ولم يذكر اسم الموطأ في "جامعه".
وقال أبو داود ٣: "وهذه الأحاديث ليس منها في كتاب ابن المبارك، ولا في كتاب وكيع إلا الشيء اليسير، وعامته في كتاب هؤلاء مراسيل، وفي كتاب "السنن" من موطأ مالك بن أنس شيء صالح، وكذلك من مصنفات حماد بن سلمة، وعبد الرزاق، وليس ثلث هذه الكتب فيما أحسبه في كتب جميعهم أعني مصنفات مالك بن أنس وحماد بن سلمة وعبد الرزاق" انتهى.
١ تاريخ دمشق (٥٨/ ٩٣).
٢ سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٧٢).
٣ رسالة أبي داود إلى أهل مكة (ص ٦٧).