33 · ص2 · ج13
اللهم إلا إذا كان القبر أدخل إلى المسجد بعد بنائه، فهذا ينبش ويخرج، لكن وفق ما ذكرنا من تحقق المصالح وانتفاء المفاسد. وما سوى ذالك فالأصل ترك القبور وعدم نبشها. وإذا حصل ونبش قبر من هذه القبور فإن الغرض هو إخفاء معالمه حتى لا يعبد ويعظم فإن كان في إخفائه عن ورثته مصلحة فهذا أولى وإن كان يتوقع حصول مفسدة منهم باعتداء ونحوه بسبب عدم تمكينهم منه فينبغي أن يمكنوا منه بتسليمهم رفاته وعظامه درءاً للمفسدة. وهذا يشهد لما ذكرنا من وجوب الكف عن هذه الأفعال والاشتغال بما لا ينفر الناس حتى يأتي الوقت المناسب لإزالة هذه المنكرات بعد أن يتهيأ الناس نفسياً وعلمياً. ويلتحق بما ذكرنا مسألة تطبيق حكم الشرع في قرية أو محلة لم تستوف الشروط اللازمة لإمكان تطبيق أحكام الشرع بما يكفل مصالح الناس، ويدرأ عنهم المفاسد المتوقعة، وأحكام الشرع التي يتعذر تطبيقها هي: الأحكام التي تحتاج إلى سلطة وقوة في تنفيذها وهي الحدود من القطع والرجم، فإنها تحتاج - كما أسلفنا - إلى قوة ومنعة وإلى سيادة حقيقية على الأرض، وإلى بيعة وحاكم مطاع. وهذه لا تتأتى لأهل قرية في كردستان ونحوها. لكن عليهم أن يجتهدوا في التعاون على فعل الخير ومقاومة الفساد والمنكرات والحفاظ على الأمن بحيث يصبح صاحب المنكر غريباً مبغوضاً لا مكان له بينهم وعليهم أن يتعاونوا في تأمين حاجات الناس من التعليم والصحة وغيرها، وأن يستقلوا بذلك عن العلمانيين الذين يجعلون من تأمين هذه الحاجات وسيلة إلى السيطرة ومحاربة المصلحين. وإن من الغفلة والخطأ أن تتركوا لأهل الباطل قلوب الناس ودنياهم، فلا يرون فيكم سوى وعاظ لا برنامج لديهم ولا طموح، فلا يرون فيكم بديلاً مناسباً، بل اجمعوا للناس بين الدين والدنيا، وهذه فرصتكم، ولا تظهروا لخصومكم أنكم تنزعون نحو الانفصال ولا تقبلون التعايش مع مجتمعكم، بل ادعوا واغلبوا أهل الفساد والباطل بوسائل مكافئة ومحققة للأهداف، ولا تستعجلوا الخطوات فتعاقبوا بعثرات مبكرة ومواجهات لا تخدم مستقبل الدعوة، واعلموا أن أهل الباطل في الداخل والخارج لن يتركوكم وما تريدون، واعتبروا بدول ذات سيادة حوصروا وحوربوا حتى اضطروا إلى التنازل والتراجع فكيف بقرية محصورة وعدد قليل. فاحذروا الحماس واستعجال النتائج، نحن معكم في الطموح والرغبة الصادقة في تحقيق الخير للناس وحكمهم بشرع الله، ونتمنى أن تكون بلاد المسلمين كلها كذلك، ولكن لسنا معكم في هذا التوقيت وهذا التبسيط ونرى أن العاقل من وعظ بغيره واعتبر بمن سبقه.
فيا ليت إخواننا من أهل السنة في كردستان العراق يحققون قدراً أكبر من التعاون والتشاور فيما بينهم، وينظرون إلى العواقب بعين واعية ويغلبون المصالح العامة على الاجتهادات الخاصة، ويحذرون الاستعجال ويستشيرون في الأمور الكبيرة التي تؤثر على مستقبلهم. وفقكم الله وجمع على الحق كلمتكم.،،،
34 · ص2 · ج14
تكفير ابن عربي
المجيب د. رشيد بن حسن الألمعي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ ١٩/١/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هل يجوز تكفير ابن عربي والقول عنه إنه كافر مشرك؟ علماً أن هناك كفراً صراحاً في كتبه وخاصة كتاب الفصوص، أرجو تبيين الحكم -بارك الله فيكم - جزاكم الله خيراً.
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فأقول -وبالله التوفيق-:
ابن عربي هو أبو بكر محمد بن علي بن محمد الحاتمي الطائي الأندلسي المعروف بابن عربي والملقب عند الصوفية بالشيخ الأكبر والكبريت الأحمر، صاحب كتاب الفصوص، والفتوحات المكية، هلك سنة ٦٣٨هـ عداده في غلاة الصوفية من أهل وحدة الوجود الذين تقوم بدعتهم على القول بالوحدة الذاتية لجميع الأشياء مع تعدد صورها في الظاهر، فالعالم بما فيه إنما هو التجلي الإلهي الدائم الذي كان ولا يزال، فالموجود واحد وهو الله واجب الوجود الأزلي عين المخلوقات، فكل شيء هو الله، واختلاف الموجودات هو اختلاف في الصور والصفات مع توحد في الذات، ومن أخطر ما تصل إليه هذه العقيدة القول بوحدة الأديان وإسقاط التكاليف والقول بعقيدة النور المحمدي والحقيقة المحمدية والإنسان الكامل.
وحقيقة قولهم فيه مضاهاة لقول الدهرية الطبيعية الذين لا يقرون بواجب أبدع الممكن، وهو قول فرعون، ولهذا كانوا معظمين لفرعون، ثم إنهم جعلوا أهل النار يتنعمون في النار كما يتنعم أهل الجنة في الجنة، وكفروا بحقيقة اليوم الآخر ثم ادّعوا أن الولاية أفضل من النبوة وأن خاتم الأولياء - وهو شيء لا حقيقة له - زعموا أنه أفضل من خاتم الأنبياء بل ومن جميع الأنبياء، وأنهم كلهم يستفيدون من مشكاته العلم بالله.
وقد نقل غير واحد من المحققين من العلماء القول بضلال ابن عربي وفساد معتقده وإليك جملة من القول في ذلك:
قال الحافظ الذهبي رحمه الله: (من أمعن النظر في فصوص الحكم أو أمعن التأمل لاح له العجب، فإن الذكي إذا تأمل من تلك الأقوال والنظائر والأشباه فهو أحد رجلين، إما من الاتحادية في الباطن، وإما من المؤمنين بالله الذين يعدون أن هذه النحلة من أكفر الكفر، نسأل الله العفو، وأن يكتب الإيمان في قلوبنا، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فوالله لأن يعيش المسلم جاهلاً خلف البقر لا يعرف من العلم شيئاً سوى سور من القرآن يصلي بها الصلوات ويؤمن بالله وباليوم الآخر خير له بكثير من هذا العرفان وهذه الحقائق ولو قرأ مائة كتاب أو عمل مائة خلوة) ، انظر ميزان الاعتدال للذهبي (٣/٦٦٠) .