117 · ص63 · ج1
ونكتة الجوابِ: أن كونه يحملُ الخبَثَ أو لا يحملُه؛ أمرٌ حِسِّيٌّ معروفٌ بالحسِّ، والدليلُ على هذا اتفاقُهم على أنَّ الماءَ إذا تغيَّرَ حملَ الخبثَ ونجَّسَه، فصار قولُه: «إذا بلغَ الماءُ قُلَّتَينِ لم يحمِلِ الخَبَثَ»، و: «لم يُنَجِّسْه شيءٌ»؛ مثلَ قولِه: «الماءُ طهورٌ لا يُنجِّسُه شيءٌ»، وهو إنما أرادَ إذا لم يتغيرْ في الموضعَينِ، وأمَّا إذا كان قليلًا فقد يحملُ الخبثَ لضَعْفِه، وعلى هذا يُحمَلُ أمرُه في الكلبِ؛ لمَّا أمَر بتطهيرِ ما ولَغَ فيه سبعًا ١.
وقوله: «ألقوها وما حولها»؛ لأنَّه مظنة التغيُّر، لا لأنَّه ملاقي النجاسة، لأنَّه لو كان الملاقي للنجس نجسًا؛ لتنجس البحر بما يلقى فيه من النجاسة، فعُلم أن إلقاء ما حولها للمظنة، فإنه قد يبقى فيه شيء محمولًا ولا يُتحقَّق.
وكذا قولُه: «فلا يُدخِلُ يدَه في الإناءِ حتى يغسِلَها ثلاثًا» ٢؛ المرادُ: الإناءُ الذي للماءِ المعتادِ للولوغِ، ولإدخالِ اليدِ، وهو الصغيرُ، والكلبُ يلَغُ بلسانِه شيئًا فشيئًا، فلا بدَّ أن يبقى في الماءِ من ريقِه، فيكونُ ذلك الخَبَثُ محمولًا والماءُ يسيرًا، فيُراقُ لأجلِ كونِ الخَبَثِ محمولًا، ويُغسَلُ الإناءُ الذي لاقاه ذلك الخبثُ؛ بخلافِ ما إذا استُهلِكَ الخبثُ؛ كالخمرِ إذا قلبَ اللهُ عَيْنَها، فتطهُرُ بالدَّنِّ؛ لأنَّ الاستحالةَ والاستهلاكَ حصَلَ في الخمرِ دونَ تلك، ولو أرادَ الفصلَ بي
١ رواه مسلم (٢٧٩)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
٢ رواه البخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٧٨)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
118 · ص63 · ج2
تأخيرُ حقوقِ بعضِ الشُّركاءِ، فكلَّما كان إلى الاستيفاءِ أقربَ كان أولى؛ لأن الأصلَ وجوبُ استيفاءِ الشُّركاءِ جميعِهم حقوقَهم، والتأخيرُ لأجلِ الحاجةِ، فكلَّما قلَّ زمنُ التأخيرِ كان أَوْلى ١.
وليس للشَّريكِ أن يقسِمَ بنفْسه شيئًا ويأخُذَ نصيبَه منه.
وإذا امتنع بعضُ الشُّركاءِ من الزَّرعِ؛ جاز لبعضِهم أن يزرَعَ في مقدارِ نصيبِه، ويختصَّ بما زَرَعه ٢.
وإذا اشترك الشُّهودُ ونحوُهم؛ فمقتضى عقدِ الشَّركةِ المطْلَقةِ؛ التسويةُ في العملِ والأجرِ، فإن عمِل بعضُهم أكثرَ تبرُّعًا؛ ساوَوْه في الأجرِ، وإن لم يتبرَّعْ؛ طالَبَهم [إما] ٣ بما زاده في العملِ، وإمَّا بأجرةِ الزائدِ، وإن اتفقوا على شرطِ زيادةٍ له؛ جاز ٤.
وليس لوليِّ الأمرِ أن يحمِلَ الناسَ على مذهبِه في منعِ معاملةٍ لا يراها، ولا للعالِمِ والمفتي أن يُلْزِم الناسَ باتباعِه في مسائلِ الاختلافِ بينَ الأئمَّةِ؛ بل قال العلماءُ: إجماعُهم حُجَّةٌ قاطعةٌ، واختلافُهم رحمةٌ
١ ينظر أصل الفتوى من قوله: (وإذا طلَب الشريكُ … ) إلى هنا في مجموع الفتاوى ٣٥/ ٤١٨.
٢ ينظر أصل هذه الفتوى من قوله: (وإذا امتنع بعضُ … ) إلى هنا في مجموع الفتاوى ٣٠/ ١٤٤.
٣ زيادة يقتضيها الكلام، من مجموع الفتاوى ٣٠/ ٩٧.
٤ ينظر أصل هذه الفتوى من قوله: (وإذا اشترك الشُّهودُ … ) إلى هنا في مجموع الفتاوى ٣٠/ ٩٧.