← المكتبة ▭ 1 page
مختصر الفتاوى المصرية - ط ركائز
بدر الدين البعلي الفقه الحنبلي 728 هـ
A− A+
293 · ص151 · ج2
صِدْقِه فيما يُخبِرُهم أو كذِبِه، وعلى عدلِه وجَوْرِه، فقد ثبَتَ في الصحيحِ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم استعملَ رجلًا يقالُ له: ابنُ اللُّتْبِيَّةِ، فلما رجَع حاسَبَه ١، معَ أنه كان له ولايةٌ في صَرْفِها، والمستحِقُّ غيرُ معيَّنٍ، فجاز للمُوَلِّي والمستحِقِّ ذلك. ومَن باع أرضًا، ثم تبيَّنَ أنها وقفٌ عليه صحيحٌ لازمٌ؛ فالبيعُ بعدَ ذلك باطلٌ، ويرجعُ المشتري على مَن غرَّه بالثمنِ، وبما يغرمُه من أجرةٍ. وأما إن لم يكُنِ الوقفُ كذلك، كمن أوقَفَ ولم يُخرِجْه عن يدِه على مذهَبِ مالكٍ وإحدى الروايتينِ عن أحمدَ وأبي حنيفةَ: فهنا لا يبطُلُ البيعُ بمثلِ ذلك، وما وجب لأهلِ الوقفِ من أُجرةٍ تستقِرُّ على الغارِّ الذي غرَّ المشتري. وإذا كانت يدُ المستحِقِّينَ على الوقفِ، ولهم عادةٌ مستمرةٌ في صَرْفِه، وذَكروا أن تلك العادةَ من شروطِ الواقفِ؛ كان ذلك بمنزلةِ اليدِ على المالِ لا تُرفعُ إلا بحجةٍ شرعيةٍ تُبيِّن أن شرطَ الواقفِ بخلافِه، فإن يدَ المصارفِ على الوقفِ والأيديَ المستقرةَ على الملكِ، والوقفَ عينَه ومصرفَه؛ لا تُرفَعُ إلا بحجةٍ. والشهادةُ بمصرِفِ الوقفِ مقبولةٌ، وإن كان مُستنَدُها الاستفاضةَ؛ في أصحِّ قولَيِ العلماءِ، ولا يُعلَمُ مصارفُ الوقوفِ المتقادمةِ إلا بمثلِ ذلك.
١ رواه البخاري (١٥٠٠)، ومسلم (١٨٣٢) من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه.
294 · ص152 · ج1
وأمَّا الأولونَ؛ فإنهم يحتجونَ بما في الصحيحينِ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «لا تُشَدُّ الرحالُ إلَّا إلى ثلاثةِ مساجدَ: المسجدِ الحرامِ، والأقصى، ومسجدي هذا»، فلو نذَر الرجلُ أنْ يصلِّيَ في مسجدٍ أو مشهدٍ، أو يعتكفَ فيه، أو يسافرَ إلى غيرِ هذه الثلاثةِ؛ لم يجبْ عليه ذلك باتفاقِ الأئمةِ، ولو نَذَر أن يأتيَ المسجدَ الحرامَ لحجٍّ أو عمرةٍ؛ لزِمَه بالاتفاقِ، ولو نذَرَ الصلاةَ في مسجدِه، أو في الأقصى؛ لزِمَه عندَ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ، ولا يلزَمُه عندَ أبي حنيفةَ. قالوا: ولأنَّ السفرَ إلى زيارةِ قبورِ الأنبياءِ والصالحينَ؛ بدعةٌ لم يفعَلْها أحدٌ من الصحابةِ والتابعينَ، ولا استَحبَّ ذلك أحدٌ مِن أئمةِ المسلمينَ، فمن اعتَقدَ ذلك عبادةً وفعَلَها؛ فهو مخالفٌ للسنةِ، ولإجماعِ المسلمينَ. وذكَره أبو عبدِ اللهِ بنُ بطَّةَ في إبانتِه الصُّغرى: أنَّه من البدعِ المخالفةِ للسنةِ والإجماعِ. وزيارةُ قُباءَ ليس فيه شدُّ رَحْلٍ. وحملُ حديثِ: «لا تُشَدُّ الرحالُ … » على نفيِ الاستحبابِ؛ فيه تسليمٌ أنَّ السفرَ ليس بعملٍ صالحٍ، ولا قربةٍ ولا طاعةٍ، ولا هو من الحسناتِ، فمن اعتَقدَ كونَه قربةً فقد خالَفَ الإجماعَ، ولا يسافرُ أحدٌ إليها إلَّا لذلك. وأمَّا لو قُدِّرَ أنَّ الرجلَ سافرَ إليها لغرضٍ مباحٍ؛ فهذا جائزٌ، ليس هذا مِن هذا البابِ، والنفيُ يقتضي النهيَ، والنهيُ للتحريمِ.
→ prev 293–294 / 966 next ←