← المكتبة ▭ 1 page
مختصر الفتاوى المصرية - ط ركائز
بدر الدين البعلي الفقه الحنبلي 728 هـ
A− A+
703 · ص360 · ج2
عبدُ الحقِّ في «أحكامِه»: «أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم عَق عن نفْسِه بعدَ النبوةِ» ١، وهذا فيه نظَرٌ ونزاعٌ. فَصْلٌ ٢ هل الذبيحُ إسماعيلُ أو إسحاقُ؟ فيه قولانِ مشهورانِ، هما روايتانِ، كلُّ منهما قولٌ عن السَّلَفِ، ونصَّ القاضي أبو يَعْلى: أنه إسحاقُ، تَبَعًا لأبي بكرٍ عبدِ العزيزِ، وقال ابنُ أبي موسى: الصحيحُ أنه إسماعيلُ. والذي يجبُ القطعُ به: أنه إسماعيلُ؛ يدلُّ على ذلك الكتابُ والسُّنَّةُ والتوراةُ، فإن فيها أنه قال لإبراهيمَ: «اذبَحْ ابنَكَ وحيدَكَ»، وفي ترجمةٍ أخرى: «بِكْرَكَ»، وإسماعيلُ هو بِكْرُه ووحيدُه باتِّفاقِ المسلمِينَ وأهلِ الكتابِ؛ لكنَّ أهلَ الكتابِ حرَّفوا فزادوا: «إسحاقَ»، فتلَقَّى ذلك مَن تلَقَّاه، وشاع بينَ المسلمِينَ. ومما يدلُّ على أنه إسماعيلُ؛ قصةُ الذبيحِ التي في الصافاتِ؛ حيثُ قال: {وبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى … } إلى قولِه: {وفديناه بذبح عظيم … }
١ علقه عبد الحق الأشبيلي في الأحكام الوسطى (٤/ ١٤٣)، وقد رواه عبد الرزاق (٧٩٦٠)، والطحاوي في مشكل الآثار (١٠٥٣)، والبزار (٧٢٨١)، والطبراني في الأوسط (٩٩٤)، من حديث أنس رضي الله عنه. ٢ ينظر أصل الفتوى في مجموع الفتاوى (٤/ ٣٣١).
704 · ص361 · ج1
فقط، فهو من أهلِه، وإن وُجِدا معًا استحَقَّ الجنةَ والنارَ. فالذي معَه كِبْرٌ وإيمانٌ يستحِقُّ النارَ، فيُعذَّبُ حتى يزولَ الكِبْرُ من قلبِه، وحينئذٍ يدخل الجنةَ، وما في قلبِه كِبْرٌ ولا مِثْقالُ ذرةٍ منه، كما أنه لو تاب منه لم يكُنْ من أهلِه. وكذلك إذا عُذِّبَ بذنبِه في الدنيا أو في الآخرةِ لم يكُنْ حينئذٍ من أهلِه. فقولُه: «لا يدخُلُ الجنةَ إلا نفسٌ مؤمنةٌ» ١ حقٌّ أيضاً، إذا أُريدَ به الدخولُ المُطلَقُ الكاملُ؛ أُريدَ بالمؤمنِ المؤمنُ الكاملُ المُطلَقُ، وإذا أُريدَ بالدخولِ مُطلَقُ الدخولِ حتى يتناولَ الدخولَ بعدَ العذابِ؛ فإنه يُرادُ به المؤمنِ المطلق؛ حتى يتناولَ الفاسقَ الذي في قلبِه مثقالُ ذرةٍ من إيمانٍ، فإن هذا يدخُلُ في مُطلَقِ المؤمنِ؛ كقولِه: {فتحرير رقبة مؤمنة}، ولا يدخُلُ في المؤمنِ المُطلَقِ؛ كقولِه: {إنما المؤمنون الذينَ إذا ذكر الله وجلت قلوبهم … } الآيةَ. ومثلُ هذا كثيرٌ في الكتابِ والسُّنَّةِ، ينتفي الاسمُ عن المسمَّى تارةً؛ لنفيِ حقيقتِه وكمالِه، ويثبتُ له تارةً؛ لوجودِ أصلِه وبعضِه؛ حتى يقالَ عن العالِمِ القاصرِ، والصانعِ القاصرِ: هذا عالِمٌ، وهذا صانِعٌ، بالنسبةِ إلى مَن لا يعلمُ، ويُقالُ: هذا ليس بعالِمٍ، ولا صانعٍ، لوجودِ نقصِه
١ رواه أحمد (٥٩٤)، والنسائي (٢٩٥٨)، والترمذي (٣٠٩٢)، من حديث علي رضي الله عنه. ورواه البخاري (٣٠٦٢)، ومسلم (١١١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: «إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة».
→ prev 703–704 / 966 next ←