841 · ص429 · ج2
الصحابةِ والتابعِينَ، وظن ذلك تكلفًا وتصنعًا، كما قال ابنُ سِيرِينَ: «بيْنَنا وبينَ الذينَ يُصعقونَ عندَ سَماعِ القرآنِ؛ أن يقرأَ واحدٌ منهم على رأسِ حائطٍ، فإن خرَّ فهو صادقٌ» ١، ومنهم من أنكَرَه؛ لأنه رآه بدعةً مخالفاً لما عُرِف من هديِ الصحابةِ.
والذي عليه الجمهورُ: أنَّ الواحدَ من هؤلاءِ إذا كان مغلوبًا؛ لم يُنكَرْ عليه، وإن كان حالُ الثابتِ أكملَ منه، ولهذا لما سُئِلَ الإمام أحمدُ عن هذا؟ فقال: قُرِئ القرآنُ على يحيى بنِ سعيدٍ فغُشِي عليه، ولو قدر أحد أن يدفعَ عن نفْسِه لدفَعَه يحيى، فما رأيتُ أعقلَ منه، ونُقِل عن الشافعيِّ أنه أصابَه ذلك، وعليِّ بن الفُضَيلِ بنِ عياضٍ.
وبالجملةِ؛ فهذا كثيرٌ ممن لا يُسترابُ في صدقِه؛ لكن أحوالَ الصحابةِ هي التي ذُكِرت في القرآنِ من وجَلِ القلوبِ، ودموعِ العيونِ، واقشعرارِ الجلودِ، وقد يُنكِرُ أحوالَ هؤلاءِ مَن فيه قسوةٌ، وقد يغلو فيهم من يظنُّ أن حالَهم أكملُ الأحوالِ، وكلٌّ من الطرفينِ مذمومٌ؛ بل المراتبُ ثلاثةٌ:
ظالمٌ لنفْسِه، الذي هو قاسِي القلبِ، لا يلينُ للقرآنِ، ولا للذكرِ؛ ففيه شبَهٌ من اليهودِ؛ لقولِه: {ثم قست قلوبهم من بعد ذلك … } الآيةَ.
والثاني: حالُ المؤمن التقي الذي فيه ضعفٌ عن حملِ ما يرِدُ على
١ رواه أبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٦٥).
842 · ص430 · ج1
وما أُعِدَّ للكِراءِ؛ كالقدورِ والجمالِ والعقارِ وغيرِها؛ ففيه نزاعٌ في مذهَبِنا وغيرِه.
ومِن السَّلَفِ مَن يوجبُ الزكاةَ في الكِراءِ إذا قبَض الثمن ١.
فَصْلٌ
إذا اشترى - مَن قبَض الزكاةَ ليدفَعَها إلى أهلِها - عقارًا ونحوَه؛ فإن عليه أن يُؤدِّيَ إلى الثمانيةِ الأصنافِ مقدارَ الذي قبَضَه، وما حصَلَ من نَماءٍ يقسِمُه بينَه وبينَهم.
إذا مُنِع بنو هاشمٍ أخذ الخُمُسِ؛ فلا يجوزُ لهم أخذُ الصدقةِ؛ إلا عندَ بعضِ المتأخِّرينَ، وليس هو قولًا لأحدِ المتبوعينَ ٢.
فَصْلٌ
إذا فرَّطَ الإنسانُ ولم يُخرِجِ الزكاةَ حتى ماتَ؛ فعلى الوَرَثةِ الإخراجُ عندَ أحمدَ والشافعيِّ، وكذا كلُّ حقٍّ للهِ.
١ في الاختيارات للبعلي ص ١٤٦: (وتجب الزكاة في جميع أجناس الأجرة المقبوضة، ولا يعتبر لها مضي حول، وهو رواية عن أحمد، ومنقول عن ابن عباس).
٢ في الاختيارات للبعلي ص ١٥٤: (وبنو هاشم إذا منعوا من خمس الخمس؛ جاز لهم الأخذ من الزكاة، وهو قول القاضي يعقوب وغيره من أصحابنا، وقاله أبو يوسف والاصطخري من الشافعية؛ لأنه محل حاجة وضرورة).