← المكتبة ▭ 1 page
مختصر الفتاوى المصرية - ط ركائز
بدر الدين البعلي الفقه الحنبلي 728 هـ
A− A+
847 · ص432 · ج2
فحالُه أكملُ من حالِ موسى الذي خَرَّ صَعِقًا لما تجَلَّى ربُّه للجبلِ، وحالُ موسى حال جليلةٌ فاضلةٌ عَلِيَّةٌ؛ لكن حالَ محمدٍ أفضلُ وأكملُ وأعلى صلى الله عليهما وسلم، فخيرُ الكلامِ كلامُ اللهِ، وخيرُ الهديِ هديُ محمدٍ، وأفضلُ الطرقِ ما كان عليه هو وأصحابُه. فالصوفيُّ منسوبٌ إلى اللِّبْسةِ؛ لأنها ظاهرُ حالِهم. ثم إن عندَهم حقائقَ وأحوالَ معروفةً، يشيرونَ بها إلى الصوفيِّ، كقولِ بعضِهم: «الصوفيُّ مَن صفا مِن الكَدَر، وامتلأ قلبُه مِن الفِكَر، واستوى عندَه الذهبُ والحَجَر»، «التصوفُ كتمانُ السرِّ، وتركُ الدعاوي»؛ وهم يشيرونَ إلى معنى الصدِّيقِ. وقد انتسبَ إليهم طوائفُ من الزَّنادقةِ وغيرِهم؛ كالحَلَّاجِ مثلًا، فإن أكثرَ المشايخِ مشايخِ الطريقِ أنكروه، وأخرجوه عن الطريقِ؛ مثلُ: الجُنَيدِ بنِ محمدٍ سيد الطائفةِ وغيرِه؛ كما ذكر ذلك أبو عبدِ الرحمنِ السُّلميُّ في «طبقاتِ الصوفيةِ» ١، والحافظُ أبو بكرٍ الخطيبُ في «تاريخِ بغدادَ» ٢. وقد تنازَعَ الناسُ في طريقِهم، فطائفةٌ ذمَّت الصوفيةَ والتصوفَ، وقالوا: إنهم مبتدعونَ خارجونَ عن السُّنَّةِ.
١ (ص ٢٣٦)، وقال: (والمشايخ في أمره مختلفون، ردَّه أكثر المشايخ ونفوه وأبوا أن يكون له قدم في التصوف). ٢ (٨/ ٦٨٨)، وقال: (والصوفية مختلفون فيه، فأكثرهم نفى الحلاج أن يكون منهم، وأبى أن يعده فيهم).
848 · ص433 · ج1
وكذلك مَن شكَّ: هل وجَبَ عليه غُسْلٌ أو وُضوءٌ بحدَثٍ، أم لا؟ فإنه لا يجبُ عليه غُسْلٌ، وكذا الوضوءُ عندَ جمهورِ العُلَماءِ؛ لكن يُستحَبُّ له التطهُّرُ احتياطًا، وإذا فعَل ذلك وكان واجبًا عليه في نفسِ الأمرِ؛ أجزأَ عنه، {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}. وكذلك الشارعُ جعَل عملَ الغيرِ عنه يقومُ مَقامَ فعلِه فيما عجَز عنه؛ مثلُ مَن وجَبَ عليه الحجُّ وهو معضوبٌ ١، أو مات ولم يحُجَّ، أو نذَرَ صومًا أو غيرَه ومات قبلَ فِعْلِه؛ فعَلَه عنه وَلِيُّه، وقال: «فدَيْنُ اللهِ أحَقُّ بالقضاءِ» ٢؛ أي: أحقُّ بأن يُستَوْفَى من وارثِ الغريمِ؛ لأنه أرحَمُ من العبادِ، فهذا تشهَدُ له الأصولُ، أما أن يُعتدَّ له بالدَّينِ على الناسِ معَ كونِه لم يَصرف الزكاةَ؛ فلا يصِحُّ. نعم، لو كان للناسِ عليه مظالِمُ أو ديونٌ بقدرِ مالِه عندَ الناسِ؛ كان يسوغُ أن يقالَ: يُحاسَبُ بذلك، فيُؤخَذُ حقُّه من هذا، ويُصرَفُ إلى هذا، كما يُفعَلُ في الدنيا بالمدينِ الذي له وعليه، وكلُّ هذا من حكمِ العدلِ بينَ العبادِ، {ولا يظلم ربك أحدا}. فَصْل يجوزُ دفعُ الزكاةِ إلى الوالدَينِ إذا غرِموا، أو كانوا مُكاتَبِينَ في
١ قال في القاموس المحيط ص ١١٦: (المعضوب: الضعيف، والزَّمِن لا حراك به). ٢ رواه البخاري (١٨٥٢)، ومسلم (١١٤٨)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
→ prev 847–848 / 966 next ←