← المكتبة ▭ 1 page
مختصر الفتاوى المصرية - ط ركائز
بدر الدين البعلي الفقه الحنبلي 728 هـ
A− A+
873 · ص445 · ج2
تنتهي الأثقالُ، وكلُّ ما تحركَ من المركزِ إلى السماءِ من أيِّ جانبٍ كان؛ فإنه يصعَدُ من أسفل إلى الأعلى، واللهُ أعلمُ. والأمرُ بالمعروفِ والنَّهْيُ عن المنكَرِ واجبٌ على الكفايةِ باتِّفاقِ أئمَّةِ المسلمِينَ، وكلٌّ من الأمةِ مخاطبٌ بقدرِ قدرتِه، وهو من أعظمِ العباداتِ، ومن الناسِ مَن يكونُ ذلك لهواه لا للهِ. وليس لأحدٍ أن يُزيلَ المنكَرَ بما هو أنكَرُ منه؛ مثلُ أن يقومَ آحادُ الناسِ يريدُ أن يقطعَ السارق، ويجلدَ الشاربَ، ويقيمَ الحدودَ؛ لأنه لو فعَل ذلك لأفضى إلى الهرجِ والفسادِ؛ لأن كلَّ واحدٍ يضربُ غيرَه، ويدعي أنه استحقَّ ذلك؛ فهذا مما يقتصر فيه إلى من يطاعُ؛ كالسلطانِ ونُوَّابِه. وكذلك دقيقُ العلمِ الذي لا يفهَمُه إلا خواصُّ الناسِ، وجِماعُ الأمرِ في ذلك: أن يُنكِرَ بحسَبِ قدرتِه. وإنما الخلافُ فيما إذا غلَب على ظنِّ الرجلِ أن أمرَه بالمعروفِ ونَهْيَه لا يُطاعُ؛ هل يجبُ عليه حينئذٍ؟ على قولَينِ، أصَحُّهما: أنه يجبُ، وإن لم يُقبَلْ منه، إذا لم تكُنْ مفسدةُ الأمرِ راجحةً على مفسدةِ التركِ، كما بقي نوحٌ ألفَ سنةٍ إلا خمسينَ عامًا يُنذِرُ قومه، ولما قيل: {لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم}؛ أي: نقيمُ عُذْرَنا عند ربِّنا، وليس هداهم علينا؛ بل الهدايةُ إلى اللهِ.
874 · ص446 · ج2
ومن لم يحبَّ ما أحبَّه اللهُ، وهو المعروفُ، ويُبغِضْ ما أبغَضَه اللهُ، وهو المُنكَرُ؛ لم يكُنْ مؤمنًا، فلهذا لم يكُنْ وراءَ ذلك حبةُ خَرْدلٍ من إيمانٍ، ولا يتركُ إنكارَ جميعِ المُنكَراتِ بالقلبِ إلا مَن يكونُ كافرًا؛ وهو الذي مات قلبُه، كما قال بعضُ السلفِ لما سُئِلَ عن ميتِ الأحياءِ في قولِهم: ليس مَن ماتَ فاسْتراحَ بِمَيْتٍ … إنَّما المَيْتُ مَيِّتُ الأحياءِ فقال: «هو الذي لا يعرفُ معروفًا، ولا يُنكِرُ منكرًا» ١؛ لكن من الناسِ مَن قد يُنكِرُ بعضَ الأمورِ دونَ بعضٍ، فيكونُ في قلبِه إيمانٌ ونفاقٌ، كما ذكر ذلك من ذكَره من السَّلَفِ؛ حيثُ قالوا: (القلوبُ أربعةٌ: قلبٌ أجرَدُ، فيه سِراجٌ يزهرُ، فذلك قلبُ المؤمنِ، وقلبٌ أغلَفُ؛ فهو قلبُ الكافرِ، وقلبٌ منكوسٌ؛ فذلك قلبُ المنافق، وقلبٌ فيه مادتانِ؛ مادةٌ تُمِدُّه بالإيمان، ومادةٌ تُمِدُّه بالنفاق، فذلك رجلٌ خلطَ عملًا صالحًا وآخَرَ سيئًا) ٢. وفي الجملةِ؛ فالأمرُ بالمعروفِ والنَّهْيُ عن المنكرِ فرضُ كفايةٍ، فإذا غلَب على الظنِّ أن غيرَه لا يقومُ به؛ تعيَّنَ عليه، ووجَب عليه ما يقدرُ عليه من ذلك، فإن ترَكَه كان عاصيًا للهِ ورسولِه، وقد يكونُ فاسقًا، وقد يكونُ كافرًا.
١ رواه البيهقي في الشعب (١٠١٨٨)، من قول حذيفة رضي الله عنه. والبيت لعدي بن رعلاء الغساني، شاعر جاهلي. ينظر: الأصمعيات ص ١٥٢. ٢ نسبه شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ٧/ ٣٠٤ لحذيفة رضي الله عنه، وقد رواه عنه ابن أبي شيبة (٣٠٤٠٤)، ورواه أحمد (١١١٢٩) مرفوعاً من حديث أبي سعيد رضي الله عنه.
→ prev 873–874 / 966 next ←