← المكتبة ▭ 1 page
مختصر الفتاوى المصرية - ط ركائز
بدر الدين البعلي الفقه الحنبلي 728 هـ
A− A+
627 · ص322 · ج1
بها، فيعلمُ أنها تكونُ بتلك الأسبابِ. فلو قال قائلٌ: إذا علِمَ اللهُ أنه يُولَدُ لي ولدٌ، فلا حاجةَ لي في الزوجةِ؛ كان أحمقَ؛ فإن اللهَ يعلمُ ما سيكونُ بما يقدِّرُه من الوَطْءِ وغيرِه من أنَّ هذا يشبَعُ بالأكلِ، ويموتُ بالقتلِ، فلا بدَّ من الأسبابِ التي قد علِمَها اللهُ سبحانَه من الدعاءِ والسؤالِ وغيرِه، فلا ينالُ العبدُ شيئًا إلا بما قدَّرَه اللهُ من جميعِ الأسبابِ، واللهُ خالقُ ذلك الشيءِ، وخالقُ الأسبابِ. ولهذا قيلَ: الالتفاتُ إلى الأسبابِ؛ شِركٌ في التوحيدِ، ومَحْوُ الأسبابِ أن تكونَ أسبابًا؛ نَقْصٌ في العقلِ، والإعراضُ عن الأسبابِ بالكليةِ؛ قَدْحٌ في الشرعِ. ومجردُ الأسبابِ لا تُوجِبُ حصولَ المُسبَّبِ؛ بل لا بدَّ من تمامِ الشروطِ وزوالِ الموانعِ، وكلُّ ذلك بقضاءِ اللهِ وقدَرِه. وكذلك أمرُ الآخِرةِ ليس بمجردِ العمَلِ ينالُ الإنسانُ السعادةَ؛ بل العملُ سببٌ؛ كما قال: «لن يدخُلَ أحدٌ منكم الجنةَ بعمَلِه … » الحديثَ ١، وقال تعالى: {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون}، فهذه باءُ السببِ؛ أي: بسببِ أعمالِكم، والذي نفاه النبيُّ باءُ المقابلةِ؛ كما يقالُ: اشتريتُ هذا بهذا؛ أي: ليس العملُ عوضًا وثمنًا كافيًا في دخولِ الجنةِ، بل لا بدَّ من عَفْوِ الله ورحمتِه، وفَضْلِه، ومغفرتِه،
١ رواه البخاري (٦٤٦٣)، ومسلم (٢٨١٦)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
628 · ص322 · ج2
والذينَ جوَّزوا التداويَ بالمحرمِ قاسوا ذلك على إباحةِ المحرماتِ للمضطرِّ، وهذا ضعيفٌ لوجوهٍ: أحدُها: أن المضطرَّ يحصُلُ مقصودُه يقينًا. الثاني: لا طريقَ له غيرُ الأكلِ من هذه، وأما التداوي فلم يتعيَّنْ؛ فإن الأدويةَ أنواعٌ كثيرةٌ، وقد يحصلُ الشفاءُ بغيرِ الأدويةِ؛ كالدعاءِ والرُّقَى، وهو أعظمُ نوعَيِ الدواءِ؛ حتى قال بقراطُ: «نسبةُ طِبِّنا إلى طبِّ أربابِ الهياكلِ؛ كنسبةِ طبِّ العجائزِ إلى طِبِّنا»، وقد يحصلُ الشفاءُ بغيرِ سببٍ؛ بل بما يجعلُه الله من القوى في الجسدِ. الثالثُ: أن أكلَ الميتةِ واجبٌ على المضطرِّ في ظاهرِ مذهبِ الأئمَّة الأربعة وغيرهم، والتداوي ليس بواجبٍ إلا عندَ طائفةٍ قليلةٍ؛ قالَه بعضُ أصحابِ الشافعيِّ وأحمدَ؛ بل تَنازَعوا: أيُّما أفضلُ؟ وحديثُ الجاريةِ التي كانت تُصرَعُ، وسألَتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أن يدعوَ لها، فقال: «إن أحببتِ أن تصبري ولك الجنةُ، وإن أحببتِ دعوْتُ اللهَ أن يَشفِيَكِ»، فقالت: بل أصبِرُ، ولكني أتكشَّفُ، فادعُ اللهَ ألا أتكشَّفَ، فدعا الله بذلك ١؛ يدلُّ على عدمِ وجوبِ التداوي. وأيضًا: فخلقٌ من الصحابةِ لم يكونوا يتداوَوْنَ؛ بل فيهم من اختار المرضَ؛ كأُبَيٍّ ٢،
١ رواه البخاري (٥٦٥٢)، ومسلم (٢٥٧٦)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ٢ روى الطبراني في الكبير (٥٤٠)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٥٥)، عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قال: «اللهم إني أسألك حمى لا تمنعني خروجًا في سبيلك، ولا خروجًا إلى بيتك، ولا مسجد نبيك».
→ prev 627–628 / 966 next ←