778 · ص169 · ج2
وبَعِّدْ: بمعنى باعِدْ، مثل ضَعِّفْ وضاعِفْ، وقَرِّبْ وقارِبْ، وقرأ ابنُ الحنفية ١ ويعقوبُ: "رَبُّنا" برفع الباء "باعَدَ" بألِفٍ وفتح العين والدال على الخبر، فـ "رَبُّنا" رفع على الابتداء، و"باعَدَ" فعلٌ ماضٍ في موضع الخبر، وقرأ الباقون: "رَبَّنا" بفتح الباء، نصب على أنه نداء مضاف "باعِدْ" بالألف وكسر العين وجزم الدال على الدعاء.
ففعل اللَّه ذلك بهم، فقال: {وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} بالكفر والمعصية والطغيان، {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} فجعلناهم عِبرةً وعِظةً لمن بعدهم، يتحدثون بأمرهم وشأنهم، كيف فعلنا بهم؟ {وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ}؛ أي: وفَرَّقْناهُمْ فِي كل وجهٍ من البلاد كُلَّ التفريق، وذلك أن اللَّه تعالى لَمّا أغرق مكانهم، وأذْهَبَ جَنَّتَيْهِمْ، تَبَدَّدُوا في البلاد، فصارت العرب تتمثل بهم في الفُرْقةِ، فيقولون: تفرقوا أيْدِي سَبا، وأيادِي سَبا ٢، {إِنَّ فِي ذَلِكَ} يعني: فيما فعل بسبأٍ {لَآيَاتٍ} لَعِبَرًا ودلالاتٍ {لِكُلِّ صَبَّارٍ} عن معاصي اللَّه {شَكُورٍ (١٩)} لأنْعُمِهِ، يعني المؤمن من هذه الأمة إذا أُعْطِيَ شَكَرَ، وإذا ابْتُلِيَ صَبَرَ.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ}؛ أي: في ظَنِّهِ، نحو: {سَفِهَ
١ هو محمد بن عَلِيِّ بنِ أبِي طالب، أبو القاسم، أمه خولة بنت جعفر الحنفية، وهو أحد الأبطال الأشداء في صدر الإسلام، كان واسع العلم ورعًا، توفي بالمدينة سنة (٨١ هـ). [تهذيب الكمال ٢٦/ ١٤٧، الأعلام ٦/ ٢٧٠].
٢ ويقال أيضًا: ذَهَبُوا أيْدِي سَبا وأيادِي سَبا، وكلها بإسكان الياء وعدم الهمز في "سَبا" لكثرة استعمال العرب له، ومعناه: تَفَرَّقُوا تَفَرُّقًا لا اجتماع معه. ينظر: معانِي القرآن للنحاس ٥/ ٤١٢، مجمع الأمثال ١/ ٢٧٥، المستقصى للزمخشري ٢/ ٨٨ - ٨٩.