← المكتبة ▭ 1 page
الهبات السنية العلية على أبيات الشاطبية الرائية
الملا على القاري التجويد والقراءات 1014 هـ
A− A+
17 · ص94
١٩ - ما لا يُطاق ففي تَعْيِينِ كُلْفَتِهِ … وجائزٍ ووقوعٍ عُضْلَةُ البُصَرا "ما لا يُطاق"؛ مبتدأ، "ففي تَعْيِينِ كُلْفَتِهِ" إلى آخره؛ جملةٌ؛ خبرُه ١، و"جائزٍ ووقوعٍ"؛ عطف تفسير على "كُلْفَتِهِ" بمعنى تكليفه، و"العُضْلَةُ"؛ المشكلة مأخوذة من داء عضال أي: صعب أعجز الأطباء، ومنع عن معالجته الحكماء، و"البُصَرا"؛ جمع بصير وقصر الهمزة على وَفْقِ وَقْفِ قراءة حمزة ٢؛ لا كما قيل إنه للضرورة ٣. والمعنى: أن البصراء من العلماء قد أعياهم المصير إلى إثباتِ تكليفِه وجوازِه ووقوعِه، والذي استقر عندهم واستمر لديهم أنه لا يجوز عند الحنفية ٤ ويجوز عند الشافعية ٥ مع اتفاقهم على عدم وقوع القضية ٦،
١ في نسخة (ز ٤) "جملة خبرية" والصواب ما أثبته من سائر النسخ. ٢ ابن حبيب الكوفي التيمي الزيات، الإمام؛ أحد القراء السبعة، مات سنة ١٥٦. اهـ مختصرا من معرفة القراء الكبار ١/ ١١١ ترجمة رقم (٤٣). ٣ قال الجعبري في الجميلة صـ ٣٤: (وقصر البصرا للوزن) أي: للضرورة الشعرية فلعل المؤلف يقصده. ٤ انظر: تيسير التحرير لأمير بادشاه الحنفي ٢/ ١٣٧ - ١٤١. ٥ انظر: الإحكام في أصول الأحكام ١/ ١٣٣ فما بعدها. ٦ قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١٤/ ١٠٢) عن القول بتكليف ما لا يطاق وقوعًا أو جوازًا: (وهذا القول لم يعرف عن أحد من السلف والأئمة؛ بل أقوالهم تناقض ذلك حتى إن سفيان بن عيينة سئل عن قوله: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} قال: إلا يسرها ولم يكلفها طاقتها. قال البغوي: وهذا قول حسن؛ لأن الوسع ما دون الطاقة وإنما قاله طائفة من المتأخرين لما ناظروا المعتزلة في مسائل القدر وسلك هؤلاء مسلك الجبر جهم وأتباعه فقالوا هذا القول وصاروا فيه على مراتب)، وبيَّن في مجموع الفتاوى (٨/ ١٣٠) أنها تتفرع عن مسألة الاستطاعة فقال: (فإن الطاقة هي الاستطاعة وهي لفظ مجمل. فالاستطاعة الشرعية التي هي مناط الأمر والنهي لم يكلف الله أحدا شيئا بدونها فلا يكلف ما لا يطاق بهذا التفسير وأما الطاقة التي لا تكون إلا مقارنة للفعل فجميع الأمر والنهي تكليف ما لا يطاق بهذا الاعتبار فإن هذه ليست مشروطة في شيء من الأمر والنهي باتفاق المسلمين)، فهذه الإيضاحات تبين عدم وقوع التكليف بما لا يطاق، والخلاف قائم على جواز ذلك أو عدمه عقلًا، ومثل هذا التجويز العقلي لا يترتب عليه فائدة أصلا، فإقحام هذه المسألة في الأصول من فضول القول، وانظر أقوال أهل العلم في المسألة في "شرح الكوكب المنير" لابن النجار ١/ ٤٨٤ - ٤٩٠، و"المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين" لمحمد العروسي عبد القادر صـ ١٣٨ - ١٤٦.
18 · ص95
فلا يكلف إلا المتمكن بما يمكن وقوعه فكيف يكون العبد مكلفًا بما ليس في وسعه ومطلوبًا منه المعارضة بإتيان كلام ربه، وقد قال الله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: ٢٨٦]، ومجمل الكلام أنه لو كان كذلك، لزم المحال هنالك، عند من لا يجيز تكليف ما لا يطاق، والتناقض عند من يجيزه فهو ممنوع بالاتفاق ١. ٢٠ - لله دَرُّ الذي تأليفُ مُعجِزِهِ … والانتصارِ له قد أوضحا الغُرَرا الضمير في "مُعجِزِهِ" للقرآن أو للموصول ٢، و"الانتصار"، مجرور معطوف على "مُعجِزِهِ"، وهو أظهر من قول الشارح: ("تأليفُ مُعجِزِهِ"؛ مرفوع على الابتداء، و"الانتصار"؛ معطوف عليه) ٣. ثم قوله: "قد أوضحا" بألف التثنية على أنه يرجع الضمير إلى المعجز والانتصار كما صرح به الجعبري ٤، وفي بعض النسخ: قد أوضح؛ بصيغة الإفراد على أن المراد كل واحد منهما أو يرجع الضمير إلى التأليف المشتمل على الكتابين، و"الغُرَر"؛ بضم أوله جمع غرة والمراد بها: الأدلة الواضحة، والأوجه اللائحة. والمعنى: أن لِلهِ خيرَ الشخص الذي ألَّف كتابًا في إعجاز القرآن وبين فيه وجوهَ إعجازِ صنائعِهِ ٥، (وما اشتمل على أنواع بدائعه، وصنف كتابًا آخرَ فيه
١ أي: باتفاق القائلين بجواز التكليف بما لا يطاق والقائلين بعدم جوازه. ٢ فعلى أنه للقرآن يكون المعنى إعجاز القرآن، وعلى أنه للموصول يكون المعنى إعجاز الباقلاني، أي: كتابه إعجاز القرآن والإضافة بهذه الصورة جائزة كما هو معلوم لأنه (قد يضاف الشيء إلى الشيء بأدنى ملابسة) كما قال الجعبري في شرح هذا البيت صـ ١٥٣. ٣ انظر: (الوسيلة إلى كشف العقيلة صـ ٤٥). ٤ انظر: الجميلة صـ ٣٥. ٥ سبق التعليق على إطلاق هذه الكلمة على القرآن في شرح البيت (١٥) وما إخال الباعث للمؤلف عليها إلا وَلَعُهُ بالسجع، والقرآن من أمر الله، وأمرُهُ قسيمُ خلقه كما قال سبحانه: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: ٥٤] وقال: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} [الشورى: ٥٢].
→ prev 17–18 / 500 next ←