1001 · ص548 · ج1
[ستر العَورَة]
ولما كان ستر العورة من فرض البدن، فيجوز للرجل أن يصليَ في ثوب واحد، لأنه يستر ما أمره اللَّه بستره، والمرأة في دِرْع ١ سابغ وخِمار، وهو أقلُّ ما أمرها اللَّه بستره من بدنها، والأمَة في ثوب وخمار.
ولم يكن هذا من فرض الصلاة، وإنما هو من فرض الأبدان ووافق الصلاةَ ٢، لأنه لو كان من فرض الصلاة كالوضوء كما شَبّهَهُ الشافعي، لكان إذا لم يجد الثوب لم يُصلِّ، كما أنه إذا لم يجد الماء ولا الصعيد لم يَصَلّ.
فإن قال قائل متأخر: يصلي ويعيد، فقد أمره بصلاة لا تجزئه ولا تنفعه، وهو آثم فيها، لأن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا يقبل اللَّه صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول" ٣.
١ دِرْعُ المرأة: قميصُها، لسان العرب (٥/ ٢٣٦).
٢ هذا أحد القولين في المذهب، قال القاضي عبد الوهاب في الإشراف (١/ ٢٥٩): "اختلف أصحابنا في ستر العورة في الصلاة، فمنهم من يقول: إنها من شرط صحتها مع الذكر والقدرة، فإن لم يقدر عليها صلى عريانًا وأجزأته، وكذلك إن نسي، وإن صلى مكشوف العورة عالمًا بأن له ما يسترها، قادرًا على ذلك، فإن صلاته باطلة. ومنهم من يقول: إنها واجبة مفترَضة وليست من شرط الصحة، فإن صلى مكشوف العورة عالمًا عامدًا كان عاصيًا آثمًا، إلا أن الفرض قد سقط عنه"، ثم أتى بأدلة كل قول فليراجع، وحكى المازري في شرح التلقين (٢/ ٨٦٨ - ٨٦٩) عنه عزو هذا الخلاف فقال: "وأما ستر العورة في الصلاة فقال القاضي أبو محمد رحمه اللَّه: اختلف أصحابنا في ذلك، فذهب القاضيان إسماعيل وابن بكير والأبهري إلى أن ذلك من سنن الصلاة، وذهب أبو الفرج إلى أن ذلك من فروض الصلاة".
٣ تقدم تخريجه (١/ ٢٦٧).
1002 · ص549 · ج1
وقال عمر، وعلي، والتابعون ممن فسر الآيات وانتهى إلينا تفسيره: إن الأَمَة تصلي كما تخرج إلى الناس ١، فيدل على موافقةِ الفرضِ ما أُمرت به من السِّتر، وإنما احتذى أمر اللَّه تبارك وتعالى بستره، واللَّه أعلم.
ولا أدري الوجه الذي شبّه الشافعي فيه الثيابَ بالطهارة في الإيجاب للصلاة، وقد قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يقبل اللَّه الصلاة بغير طهور"، وأجمع على ذلك فقهاء الأمصار ومن قبلهم، وأجمعوا على جواز صلاة العُريان عند الضرورة ٢.
فإن قال: فإن لم تكن ضرورة وصلى، ولُبْسُ اللِّباس من فرض الصلاة؟
قيل: هذا رجل تهاون بأمر اللَّه، وخالف آداب اللَّه، ولعب بصلاته، فأبطلنا عليه صلاته لهذه العلة عقوبة على فعله، وكذا يفعل في كل شيء خولف فيه أمر اللَّه وأمر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ألا ترى أنّا نفعل ذلك في البيع بعد النّداء الثاني يوم الجمعة، ويفرَّق بين من خطب على خِطبة أخيه، وذلك إذا رَكَنَت المرأة إلى الرجل، وتوافقا على إيقاع العقد وعزيمته، فأما إذا كانت الخطبة ولم تكن إجابة فليس الذي أراد النبي، ويحارَب من ترك السّنن عامدًا ومعاندًا لغير سبب ولا عذر، وتعداد هذا يكثر، وفيما مضى كفاية لمن عقل.
[طهارة الثوب]
ثم زعم الشافعي أيضًا أن الثوب يكون طاهرًا ٣.
١ روي أيضا عن مسروق، وشريح، والحارث، والشعبي، انظر مصنف ابن أبي شيبة، كتاب صلاة التطوع والإمامة وأبواب متفرقة، في الأمة تصلي بغير خمار.
٢ الإشراف للقاضي عبد الوهاب (١/ ٢٦٠).
٣ الأم (١/ ١٠٨ - ١٠٩) (ط المعرفة).