225 · ص127 · ج1
١٨٧ - وأما قوله عز وجل: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}
فإنه بياض النهار من سواد الليل، وهو البياض الذي يبدو ١ من المشرق قبل الحمرة، وهو الثاني المُستطيل المعترض في أفق السماء، فأباح اللَّه تبارك وتعالى الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر.
[الإصباحُ جُنُبًا]
وإذا كان ذلك، فليس يُصبح الإنسان إلا جُنبًا، ولا يقع اغتساله إلا بعد الفجر، فالقرآن والسُّنة قد أبطلا الرواية: "من أصبح جنبًا أفطر ذلك اليوم"، لأن عائشة -وهي أعلم الخلق بهذا- أنكرت الرواية، فقال أبو هريرة: لم أسمعه من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، أخبرنيه مُخبِر، قالت: لقد كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصبح جنبًا من غير احتلام ثم يصوم ذلك اليوم ٢.
١ في الأصل: يبدوا.
٢ في الموطأ برواية يحيى برقم ٧٩٥، كتاب: الصيام، ما جاء في صيام الذي يصبح جنبًا، عن مالك، عن سُمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أنه سمع أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يقول: كنت أنا وأبي عند مروان بن الحكم وهو أمير المدينة، فذكر له أن أبا هريرة يقول: من أصبح جنبًا أفطر ذلك اليوم، فقال مروان: أقسمتُ عليك يا عبد الرحمن لتذهبن إلى أُمَّي المؤمنين عائشة وأم سلمة فلتسألنهما عن ذلك، فذهب عبد الرحمن وذهبتُ معه، حتى دخلنا على عائشة فسلم عليها، ثم قال: يا أم المؤمنين، إنا كنا عند مروان بن الحكم فذُكِر له أن أبا هريرة يقول: من أصبح جنبًا أفطر ذلك اليوم، قالت عائشة: ليس كما قال أبو =
226 · ص127 · ج2
وقال ابن عباس: إن عمر -رضي اللَّه عنه- جعل أسفل الوادي وأعلاه مَناخًا للحاج، وجعل جِياد ١، وقُعَيقِعان ٢ للمريحين ومذاهب الناس.
وقال عكرمة وسئل عن كراء منازل مكة: لا بأس بذلك، قد اشترى عمر ابن الخطاب -رضي اللَّه عنه- بأربعة آلاف جعلها سجنًا.
وقال عطاء: كانوا يكرهون أجرة الدور بمكة.
وروى الأسود: أن عائشة كانت تنزل بالأَبْطَح، وتُدعى إلى الدور فتأبى.
قال إسماعيل: قد تأول قوم في بيوت مكة ما ذكرنا، والقرآن يوجب أنه المسجد الذي يكون فيه قضاء النسك وفضل الصلاة، قال اللَّه تبارك وتعالى: {وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}، أي: يصدون عن المسجد الحرام، وقال: {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الفتح: ٢٥]، وقال سبحانه: {وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: ٢١٧]، أي: وعن المسجد الحرام.
فدل ذلك كله على أنه المسجد الحرام، لتملك قريش عليه وادعائهم أنهم أربابه وولاته وأنهم يمنعون من أرادوا ظلمًا، فأعلم اللَّه عز وجل أن الناس كلهم فيه سواء.
وأما المنازل فلم يزل لأهل مكة المنازل والدور، غير أن المواساة تجب إذا كانت الضرورة، ولعل عمر رحمه اللَّه فعل ذلك على طريق المواساة عند الحاجة، واللَّه أعلم.
١ جياد: جمع جيّد، اسم موضع بمكة يلي الصفا، ويقال له أيضًا: أجياد، معجم البلدان (١/ ١٠٤ - ١٠٥ و ٢/ ١٩٥).
٢ قُعَيقعان: قال في معجم البلدان (٤/ ٣٧٩): "بالضم ثم الفتح، بلفظ تصغير، وهو اسم جبل بمكة".