565 · ص305 · ج1
٩٧ - قال اللَّه عز وجل: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}
قال بعض المفسرين: من كفر باللَّه ١.
وقال بعضهم: من كفر بالحج، ولم يره واجبًا ٢.
وقيل عن عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- أنه قال: لقد هممت أن أبعث رجالًا إلى هذه الأمصار، فينظروا كل رجل لم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين ٣.
وروي عنه أيضًا أنه قال: لو أن الناس تركوا الحج لقاتلناهم عليه كما نقاتلهم على الصلاة والزكاة.
وقال ابن عباس -رضي اللَّه عنه-: لو ترك الناس الحج عامًا واحدًا ما نوظروا بعده.
وقال جماعة من المفسرين منهم الحسن، وسعيد بن جبير، وغيرهما، فيمن ترك الحج، هل يقال له كافر؟ قالوا نعم.
١ روى عن ابن عمر مرفوعًا إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وموقوفًا، وعن ومجاهد، وعامر، والضحاك وعكرمة، انظر تفسير ابن جرير (٣/ ٣٦٨ - ٣٦٩)، وتفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٤١٤ - ٤١٥).
٢ روي عن ابن عباس، والضحاك، وعطاء، والحسن، ومجاهد، انظر: تفسير ابن جرير (٣/ ٣٦٧ - ٣٦٨)، وتفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٧١٥).
٣ قال ابن كثير في مسند الفاروق (١/ ٢٩٣): "رواه سعيد في سننه، وهذا منقطع بين قتادة وعمر".
566 · ص305 · ج2
قال علي بن المديني: لا يُنكَر مثلُ هذا على الزهري، لسعة علمه وحديثه، أن يحدث مرة عن هذا، ومرة عن هذا، وقد سمع ذلك من جماعة.
[هل يُعَدّ التخيير طلاقًا؟ ]
وقال مسروق بن الأجدع: ما أبالي إذا خَيَّرْتُ امرأتي واحدةً أو مائةً أو ألفًا بعد أن تختارني، فلقد أتيت عائشة فسألتها عن ذلك فقالت: قد خيَّرَنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فاخترناه، أفكان ذلك طلاقًا ١؟
والآية تدل على أنه عليه السلام خيَّرهن بين الدنيا والآخرة، فإن اخترن الدنيا طَلّقهن، وإن اخترن الآخرة كُنّ على ما كن عليه ولم يلزمه مفارقتهن، ألا تراه سبحانه قال: {إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} إلى آخر الآية، فلما اخترنه لم يَلزمه عليه السلام التسريحُ الذي أوجبه على نفسه.
وقد يجوز أن يقول قائل: إنهن لو اخترن الدنيا أن يقع الطلاق باختيارهن.
وهذا يحتاج إلى حجة من كتاب اللَّه عز وجل أو سُنَّة، إذ الآية لا توجب وقوع الطلاق، وما روي عن عائشة: "اخترناه فهل كان ذلك طلاقًا؟ " إنما ذُكر ليُدفع به شيء ضعيف رُوي من طريق ضعيفة عن علي، وعليٌّ رحمه اللَّه يرتفع عن قوله: زعموا أن الرجل إذا خيَّر امرأتَه فاختارته كانت طلقة، وإذا اختارت نفسها كانت ثلاثًا، وهذا ما لا يجوز في عقل، واللَّه أعلم.
* * *
١ متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه برقم ٥٢٦٢، كتاب: الطلاق، باب من خير نساءه، ومسلم في الموضع السابق.