845 · ص463 · ج1
فلما قيل: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} فسمى الموضع المنتهى إليه دل على الغسل، لأن التحديد إنما يقع للغسل، ولا يقع في المسح، إذ كان المسح لا يستوعب، ألا ترى أن الرَّجُل لو توضأ ومسح برأسه وترك منه شيئًا يسيرًا لأجزأه ١، وإن كنا لا نأمر أن يتعمد الإنسان ترك شيء منه، لما روي عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من سائر الوجوه الصحيحة: أنه مسح من مقدم رأسه إلى مؤخره، ثم رده إلى حيث بدأ ٢.
وفي الأعضاء أيضًا تقديم وتأخير لا يمتنع منه ذو عقل ومعرفة، وأن يكون اللَّه سبحانه أراد اغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم، إذ العمل المروي يؤيده.
فإن قيل: قد قدم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- المسح.
قيل: هذا هو المؤيد لجواز تقديم الأعضاء، وأن يكون عمل على النسق والمراد غيره، والقائل بمسح الرجلين يجيز ترك بعض الرأس، ولا يجيز ترك بعض الرجلين، لأن إجازة ذلك مخالفة لكتاب اللَّه، إذ يقول: {إِلَى الْكَعْبَيْنِ}.
وجاءت الروايات كلها عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كل من روى الوضوء أنه غسل رجليه ولم يروَ المسح، وكان شرط اللَّه تبارك وتعالى في الرجلين مثل شرطه في اليدين، لأنه قال: {إِلَى الْمَرَافِقِ}، ثم قال: {إِلَى الْكَعْبَيْنِ}، فعلم أنه عطف على
١ في الأصل: الإجزاء.
٢ منه ما رواه البخاري في صفة وضوئه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن عبد اللَّه بن زيد الأنصاري -رضي اللَّه عنه- برقم ١٨٥، كتاب: الوضوء، باب: مسح الرأس كله، ومسلم برقم ٢٣٥، كتاب: الطهارة باب: وضوء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وفيه: ثم مسح رأسه بيده فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه.
846 · ص463 · ج2
٨٢ - قال اللَّه تبارك وتعالى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}
قال ابن عباس: بالأَنْواء، يقولون: مُطِرْنا بِنَوْءَ كذا ونَوْءِ كذا، ذلك كفر بما أنعم به عليهم ١.
وقال الحسن، ومجاهد: مُطِرْنا بِنَوْءَ كذا، يقول: قولوا: من عند اللَّه ورزقه ٢.
قال عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن زيد بن خالد: مُطِرَ الناس ليلًا فأصبح رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "ألم تسمعوا ما قال ربكم الليلة؟ قال: ما أنعمتُ على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين، فأما من آمن بي وحمدني على سُقْياي، فذلك الذي آمن بي وكفر بالكوكب، ومن قال: بِنَوْء كذا وكذا، فذلك الذي آمن بالكوكب وكفر بي، أو كفر بنعمتي" ٣.
وروى أبو سعيد الخدري أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لو حبس اللَّه القطر سبع سنين ثم أرسله عليهم أصبحت طائفة منهم بي كافرين، قالوا: مطرنا بنوء المِجْدَح" ٤. والمِجْدَح: الكوكب الذي خلف الدَّبَران ٥.
١ رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٦٦٢).
٢ رواه عن مجاهد ابن جرير في تفسيره (١١/ ٦٦٣).
٣ متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه برقم ٨٤٦، كتاب: الآذان، باب: يستقبل الإمام الناس إذا سلم، وبرقم ١٠٣٨، كتاب: الاستسقاء، باب قول اللَّه تعالى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}، ومسلم في صحيحه برقم ٧١، كتاب: الإيمان، باب: كفر من قال مطرنا بالنوء.
٤ رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ١١٠٤٢، والنسائي في سننه برقم ١٥٢٦، كتاب: الاستسقاء، كراهية الاستمطار بالكوكب.
٥ انظر النهاية (١/ ٢٤٣).