← المكتبة ▭ 1 page
أحكام القرآن لبكر بن العلاء - ط جائزة دبي
بكر بن العلاء علوم القرآن وأصول التفسير 344 هـ
A− A+
855 · ص469 · ج1
فجعل الفساد بمنزلة القتل، لأن المعنى واللَّه أعلم: من قتل نفسًا بغير نفس أو بغير فساد في الأرض، فلم يحتج إلى إعادة غير، وعطف الكلام على ما قبله، فجعل الفساد عِدلًا للقتل، فإذا كان الشيء بمنزلة الشيء فهو مثله، وقد ذكر اللَّه تبارك وتعالى القصاص في غير موضع من كتابه، ثم أفرد للمحارب حكمًا، فانتهينا إلى حكم اللَّه تبارك وتعالى فيه. قال عطاء، ومجاهد، والضحاك، وأبو عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر: كل ما قال اللَّه تبارك وتعالى فيه افعل كذا أو كذا، فصاحبه بالخيار، أيُّ ذلك فعل فقد أتى بما أمره اللَّه به ١. قال أبو مصعب عن مالك -رضي اللَّه عنه- مثل ذلك ٢. فهذا الذي يُفهم من كلام الناس. وما روي عن ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، فعلى وجه المشورة، ومن تابعهم. وأما سعيد بن المسيب، والضحاك بن مزاحم، والحسن، وعطاء، والقاسم، وعمر بن عبد العزيز، فقالوا: الإمام مخير ٣. وليس قول من قال: إنه مخير في المحارب أنه يفعل فيه بالهوى، ولكنه يجتهد فيما يراه ردعًا، ويتخير من العقوبات التي أنزلها اللَّه تبارك وتعالى فيه ما يرى أنه أقرب إلى اللَّه، فكم من محارب لم يَقتُل، له في أمره من الرئاسة والتأليب على قطع طريق المسلمين أكثر ممن قد قتل في محاربته، كما أن
١ علقه البخاري في أول كتاب: كفارات الأيمان، عن ابن عباس، وعطاء، وعكرمة، ورواه ابن جرير في تفسيره (٢/ ٢٤٥) عن مجاهد وعطاء وابن عباس وعكرمة. ٢ الموطأ برواية أبي مصعب برقم ١٢٧٢ كتاب: المناسك، جامع ما جاء في الفدية. ٣ رواه ابن جرير عن سعيد، والحسن، وعطاء ممن ذكرهم المصنف، وعن مجاهد، وإبراهيم، وابن عباس، انظر: تفسيره (٤/ ٥٥٥).
856 · ص469 · ج2
٢٧ - قال اللَّه تبارك وتعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [البدعة في الدين] كل مُحْدِث مبتدع، ألا ترى اللَّه عز وجل قال: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [البقرة: ١١٧]، مبتدَعان، فالشَّر قال فيه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنه ضلالة تجر صاحبها إلى النار" ١، والخير مبتدَع من فاعله، إذا لم يكن من كتاب ولا سنة، ففاعله ابتدعه، فينبغي إذا فعله أن يدوم عليه، فإنه إن تركه وعدل عنه إلى ضده كان داخلًا في معنى هذه الآية: {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا}. ولذلك قال أبو أمامة الباهلي لما سَنَّ عمرُ القيام في شهر رمضان: فدوموا عليه إذ فعلتموه ولا تتركوه، فإن ناسًا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعًا لم يكتبها اللَّه عليهم ابتغاء رضوان اللَّه، فما رعوها فعاقبهم ٢.
١ رواه مسلم في صحيحه برقم ٨٦٧، كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة، عن جابر بن عبد اللَّه رضي اللَّه عنه، قال: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم، ويقول: "بعثت أنا والساعة كهاتين"، ويقرن بين إصبعيه السبابة، والوسطى، ويقول: "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب اللَّه، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة"، ورواه أيضًا النسائي برقم ١٥٧٨، كتاب: الجمعة، كيف الخطبة، بلفظ: "وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار". ٢ رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٦٩٢).
→ prev 855–856 / 1204 next ←