← المكتبة ▭ 1 page
أحكام القرآن لبكر بن العلاء - ط جائزة دبي
بكر بن العلاء علوم القرآن وأصول التفسير 344 هـ
A− A+
877 · ص480 · ج2
فكان الذي حرم اللَّه تبارك وتعالى بالظهار الوطءَ. [نيابة الحروف عن بعضها] فقوله: {ثُمَّ يَعُودُونَ}: يعود لما حَرَّم، كما قيل: "العائد في هِبَته"، وهو الراجع إليها يتملكها، تقول العرب: رجعت في قولي ورجعت عنه، وحروف الإضافة قد تُبدل بعضها من بعض، كقوله: نزلت به، ونزلت عليه، قال اللَّه عز وجل: {فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} [المؤمنون: ٢٧]، وقال عز وجل: {وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} [غافر: ٨٠]، فقال في موضع: {فِيهَا}، وقال في موضع آخر: {وَعَلَيْهَا}، وقال: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: ٧١]، أي: على جذوع النخل، وقال سبحانه: {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد: ١١]، أي: بأمر اللَّه، وقال: {أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ} [الطور: ٣٨]، أي: عليه. فمعنى {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا}: إلى الغشيان، لأنه إذا قصد لأن يغشى، فقد قصد إلى إبطال ما كان منه من التحريم، فقد عاد في ذلك القول الذي لفظ به من التحريم، يريد الرجوع عنه. وقال الشافعي: إذا ظاهر الرجل من امرأته ثم لم يطلق طلاقًا متصلًا بالظهار، فقد وجبت عليه الكفارة ١، وهو قول فاسد، لأن المُظاهِر على نية الظهار إلى أن ينقضي لفظه، فإن أراد الطلاق بعد الظهار، فأقرب ما يمكن فيه أن ينوي حين انقضاء لفظه بالظهار أن يُطلِّق ثم يُطلِّق، فلا يقع الطلاق إلا وبينه
= إمساكها وإصابتها، وروى عن قتادة: حرمها ثم يريد أن يعود لها فيطأها {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} حتى بلغ: {بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}، وقول مالك هذا في الموطأ برواية أبي مصعب، وفي رواية يحيى كذلك، كتاب: الطلاق، باب: ظهار الحر، وروى أيضًا عن أبي العالية قوله في الآية: ثم يرجع فيه، ضمن أثر طويل، انظر أحكام القرآن (ص ١٧٧ - ١٧٩). ١ الأم (٥/ ٢٩٦) (ط المعرفة).
878 · ص481 · ج1
فيه بالتوراة، وهذا قول أكثر المفسرين، قالوا: إن شاء حكم وإن شاء أعرض، فإن حكم حكم بما أنزل اللَّه علينا دون ما أنزل عليهم ١. [سبب النزول] وهذه الآيات، وهذه القصة نزلت في يهود، زنا رجل منهم بامرأة منهم، فقال بعضهم لبعض اذهبوا بنا إلى هذا النبي، فإنه نبي بعث بالتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند اللَّه، وإن أفتانا بالرجم لم نقبل، فأتوا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو جالس في المسجد في أصحابه فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا، وكان الحَدُّ يومئذ فينا التَّجْبيه والتَّحْميم ٢؟ وهو قول اللَّه عز وجل: {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا} [النساء: ١٦]، وهذا كان الحد الأول في الزنا، ثم نزل بعد ذلك: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء: ١٥]، يعني: حكمًا غير هذا، ثم أنزل اللَّه الجلد للبِكر، والرجم للثيب، فخطب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وقال: "خذوا عني قد جعل اللَّه لهن سبيلًا". وقد كان اليهود قبل ذلك زنا رجل ذو قرابة من ملك من ملوكهم فدفع عنه الرجم، ثم زنا آخر في نسوة من الناس فأراد رجمه، فحال قومه دونه وقالوا: واللَّه لا ترجم صاحبنا حتى تأتي بصاحبك فترجمه، فاصطلحوا بينهم على التَّجْبِيه والتَّحْميم الذي كان يفعل فينا. وكانت أيضًا قريظة والنضير عدت إحدى الطائفتين وقهرت الأخرى قبل مقدم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فاصطلحوا على أنه ما قتلت العزيزة من الذليلة من قتيل فَدِيَتُه خمسون وَسَقًا، وما قتلت الذليلة من العزيزة فديته مائة وَسَق.
١ انظر تفسير ابن جرير (٤/ ٥٨٤)، وتفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١١٣٦)، والناسخ والمنسوخ للنحاس (ص ١٢٦). ٢ ينظر معنى التجبيه والتحميم في (١/ ٣١٣).
→ prev 877–878 / 1204 next ←